فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 43

قفزتُ من مخبأي كأرنب بُوغتَ بطلقة صيّاد، تلمّستُ جواربي، عجنُتها بيديّ، ما تزال مبتلّة. لبستُها مكابرًا على الألم وعلى نِمال واخز شَلَّ أمشاط أقدامي. زررتُ سترتي بأصابع فقدت لونها. اختطفتُ كتبي كيفما كان وهُرعت على الطريق الموحلة إلى المدرسة..، إخوتي يلهثون في إثري، والمطر حيوان شرس يسدّ الطُرُق ويغشى الرؤيا كالضباب المُدلهّم.

في مدخل الصف وقفت كشجرة قصفَ الإعصار غصونها ولوى رقبتها. سرى لغط وتأوُّه، تحول الصف إلى قاعة محكمة أنا المتّهم، رفاقي شهود، القاضي يجلس على كرسي خيزران، يُريح بطّة ساقه اليمنى على جنبهِ الأيسر.. يصفّق بالقضيب البني الغليظ على راحة يدهِ ساهمًا متأمّلًا.

-أينَ كنتَ يا وَلد…

لم تصدر عني كلمة. تخاذَلَ صوتي. تجمّدَ من البرد، فرّ إلى أمعائي باحثًا عن قبَس حرارة يُعينُهُ على الإفصاح والنطق. وكنتُ أرتجف كقصبة وحيدة عند مفارق طرق، الماء يرشح منّي ويصطفق فكّاي ببعضهما. أما الألم في كاحلي وكِعابي فكانَ فوق التصوّر…

أومَأَ إليّ بالاقتراب.

القرّ والبلل أبطأا حركتي فدنوت بتثاقل مباعدًا ما بين ساقيّ كمن تغوّطَ في ملابسه. هبّت عاصفة ضحك وظُنّت بي ظنون.

-همّ… جئتنا متأخرًا، لِنَر إن كنت حفظت درسك.

انطلقَ في استجوابي من درس التاريخ، أبدى صبرًا في انتظاري وكأنهُ يحزر النتيجة سلفًا ويتلذذ بتعذيبي، لم تُسعفني الذاكرة، فأمس استظهرت الدرس بعجالة على نيّة أن أنام (قليلًا) وأعود متنشطًا فأُغيّبهُ وأفكّ طلسم الأُحجية الرياضية.

قلّبَ الأستاذ بتأنٍّ مقصود دفاتري المبتلة:

-هم… م م م، لم تُكمل وظيفة الحساب، لم تكلّف نفسكَ عناء تبييضها حتى.

بعد صمت ثقيل اعتكرت ملامحه، تجعّدت عقدة حاجبيه، استقامَ أمامي ماردَ رعب وهلع..، بصعوبة تكمّشت أصابعي بقماش البنطال المتهدّل. الصقيع ينساح في بطني حقودًا قاهرًا، يقرص أحشائي، تلتهب الأمعاء، تئنّ، تتقلّص عن جدران قَفَصها فأحسُّ بجوفي خاويًا ممغوصًا.

-آ ا ا ا ا ه…

تميد الأرض لصُراخي، القضيب يحلّق في الفراغ متبجحًّا بسلطانه على النفوس ويسوط بضراوة أطراف أصابعي وظاهر كفيَّ.

مع كل جلدة يشق المعلم فضاء الصف صارخًا:

-تتأخّرْ، طِخّ، درسًا لا تحفظ، طِخّ، وظيفة لا تكتب، طِرِخْ… تعوم في المستنقعات وتأتيني قميئًا كحشرة، طِرِخ، أسألُكَ فلا تجيب.. طِرِخ طِرِخ طِخّ…

وينبثق صوتي من رماد العجز حارًّا أليمًا زاعقًا:

-آ ا ا ا ا خ… أيّ ييّ ييّ ييّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت