فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 43

بملء الصوت الذي استعدتُه، وددتُ لو أصرخ أمام محكمتي وقاضيَّ والأرانب التي تضحك على أنفسها حين يدور عليها الدولاب وتصيبُها الطلقة.

وددتُ لو أطلب مُهلة، فسحة وقت إضافية أوضّح فيها أشياء وأشياء ينبغي قولُها.

اللعنة على البرد، اللعنة على الوجع. لو لم تكن قدماي تؤلمانني كنت درست التاريخ، وحللت الرياضيات ولكن…

اللعنة على الجراب الملوّث. اللعنة على بهيرة التي لم تعصرهُ جيدًا ليجف بسرعة.

اللعنة على الشتاء…، على النوم…، على حظّي…

لكنَّ شيئًا من هذا لم يحدث.

نعوة زمن

ذات مساء، أطبقَ الاكتئاب على صدر"طرطوس"أُسدلَ على الشوارع والساحات فأذبلَ النفوس ووشّحَ السحنات باصفرار وسهوم، كان اليوم غائمًا، لاحت فيه بوادر التشتت والشّعَث على المكان والزمان والإنسان.

لم تكن المدينة الخاملة لتصدّق أنها ستشهد حدثًا فريدًا في ثاني أيام موجة صقيع تدهمها، وأنّ فرقة مشاة ستؤم شوارعها في مسيرة غير منتظرة، فتشحذ حواسّها لمراقبة ما يجري بحيادية بلهاء وتخاذل جبان.

ساحة"المشبكة"الأزليّة لا تفتأ تعلن على الملأ أنها قلب المدينة وسواها الأذرع والأقدام، وتشمخ بساعتها المنغرزة وسط (الدوّار) كجاسوس يستقصي خطرًا محتملًا فيرشق الجهات بنظرات منذرة.

قبالة الساعة في اتّجاه: جنوب شرق، تهالكت سينما"العبّاسية"على رصيف واطئ كعجوز (نحس) أعيا أنفاسها تقادم العهد، ونضح من عينيها شوق لمجد غانية أفلَ نجمها إلاّ من بريق يغري طفلًا مشردًا أو غلامًا تعسًا بالاقتراب. أمّا روادها مِن البالغين فيصعب التكهن إن كانوا بشرًا أسوياء، أم استولت عليهم البلادة.

على الضفة الثانية للشارع الرئيسي يقدّم مطعم شعبي وجبات سريعة لزبائن عابرين، وتسمح الواجهات الزجاجية للمطعم بتأمل منظر جزئي لشارع الثورة في ذروة نشاطه.

على امتداد المطعم بانحراف شمالي غربي يصادف المستكشف لطرطوس محلّ عطور أنيق ومخزن فخم للألبسة الأجنبية.

وعلى الكتف المقابلة للطريق تتربع الحديقة المركزية بأبهى إطلالة شمال شرق الدوّار، ويشكل شارع الثورة الذي تتوسطه الساعة عمودًا فقريًّا للبَلَد تتفرّع عنه أذرع وذيول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت