وشغلنا -نحنُ الصبيان الثلاثة- مرتبة الوصيف لأمّنا وأُختنا نأتمر بأمرهما، ونضطلع بمهام بسيطة لا تتعدى جلب المتاع ونقلِها وتوصيلها.
-البردُ يُناوش عظامي…
أتحسسّ بيدي الباردة ساعدي المطوي تحت رأسي… يبدو الساعد دافئًا من أثر الثقل الذي يحمل، ومن فرق الحرارة بين اليد الطلقة واليد المقيّدة إلى الرأس أشعر أنّ اليدين لا تنتميان معًا لجسمي، فكأنهما عضوان في بدنيْن مختلفين، هذا لأني لا ألتفّ ببطّانية، فقد ارتميت بكل ثقلي وتعبي منذ وقت على القطن الأعجف وجمّدني البرد في انحناء تقعّري حتى أني لا أقوى على الانقلاب إلى الجهة العكسية، فالبرد سيهاجم بضراوة الجانب الدفيء من جسمي.
أقسى ما في الأمر أنّ جواربي مغسولة، ها هيَ منشورة على طرف كرسي مخلوع والماء يقطر منها فقد ابتلت في الطريق الموحلة إلى المدرسة. وحدثَ هذا مع إخوتي، فأرغمتنا بهيرة على خلع أبواط (الغوما) الملطّعة بالطين وتسليم جراباتنا الملوثة للغسل الفوري كضريبة لدخول البيت، فمن صادفَ خُفًّا أخفى رجلُه فيه أو عثر على قبقاب بهيرة العتيق انتعلهُ ومن لم يجد لفَّ قدميه ببّطانية، أو طمرهُما بالقطن كما فعلتُ.
المطر يطشطش في الخارج كدرنات بطاطا تتقلّب في مقلاة. تطل السماء حالكة في كوّة الحائط..، الرؤيا تنعدم تحت سلطان العتمة،… تضيء بهيرة شمعة في حجرة مجاورة، تغادر وأمي البيت يلحق بهما الضوء إلى الحظيرة، هناك يخور العجل متحديًا طشيش المطر.
يا لَلظّلام يطوّق الحجرة آمرًا بالنوم. أبدو مقتنعًا بخسارة الرهان الذي عقدُتُه مع نفسي، فالنهوض من الفراش الآن يعادل البعث من قبر.
المشكلة عندي تتعدى كسلًا غَشَيِني وصقيعًا يَبرد عظامي، فينكمش لهُ جسمي، ويتكرمش جلدي بصورة تنتأ فيها المسامات، وتنتفخ كحبوب صغيرة نتجت عن فطور جلدية… كل المصيبة في الجراب الصوفي المغسول فلو كان يحبك بشدّة على قدميّ العاريتين، وساقيَّ دونَ الرّكب، لنالَ الازرقاق والألم اللعين قصاصًا على ما يُلحقانِه بي من تنكيل وعذاب. أما وأنا على هذه الحال فمستعدّ للإجفال في أية لحظة تتلامس بها يدي الباردة فوق مع نظيرتها الدافئة تحت. وفي فكيّ، يغرز البرد أورامَهُ فتكاد اللثة المقرورة تنشقّ عن دعامات الأسنان، رغم هذا وخلافُهُ ظلت عيناي تنوسان بين فتح وإغماض حتى سكنت الرعشة فيهما وأسبَلَتَا معًا.
دوّى صياح أمي كطبول تُعلن نفير الحرب:
"يا فدَادين،.. يا عجّان قوموا…، فات وقت المدرسة".