"النوم موت مؤقتّ"… يقرُّ بذلك العلم على ذمّة معلّمنا الذي أكثر ما يسوؤهُ أن يُباغِتنا مُتَلّبسين بالنوم على المقعد أو لاوين أعناقنا في حالة شرود ذهني. حينها تقتضي المصلحة المهنيّة و (أمانة الرسالة) أن يُلهب أكفّنا بقضيب الرمان فتفرّ الدماء إلى وجوهنا فاضحةً هَلَع نفوسنا وذلّنا وانكسارنا.
قضيب الرّمان يجعلني أُطبق جفنًا وأشقّ آخر… حاجتي للنوم ملّحة والوجوم الشتائي يغري بذلك، من جهة… عليَّ استظهار درس التاريخ واستكمال حل مسألة رياضية عالقة، وبمجرّد أن (يُميتني النوم مؤقتًا) فسأعجز عن (بعث) روحي قبل الصباح فأبلغ المدرسة يعتريني انزعاج المقصّرين.
بهيرة وأمّي تتصايحان. تنعيان حظّهما،… رغم الجلبة أكاد أتخدّر كليًّا وأغفو.. يدخل إخوتي الدار، يقرقع الباب، أفتح عينيّ بتأثير تنبيه عصبي حامدًا الله لأنني لم أنم فبالكاد يتسع الوقت لاستئناف الدراسة.
لحظات، وأهبّ من مكاني كباشق لمحَ فريسة ضالّة، أثب عدّة وثبات..، أحرّك جذعي وأطرافي بعنفوان ونزق فأُشعل في جسمي مجمرة حقيقية، خلال نصف ساعة أُتِمّ واجبات المدرسة ثم أغيب في سبات نهائي عاذرًا أمّي لعدم إيقادها مدفأة الحطب إذ يصعب أن تفرقع النار في الخشب المنقوع بماء المطر. لهذا تبدو أقدامي محنّطة بالصقيع، مُفخّخة بالألم. كذلك قرنيّات أظافري أُحِسُّ أنّ إبرًا تحقن تحتها وجعًا ووخزًا قاهرًا. فلولا ألم قدميّ ويديّ لأنجزتُ وظائفي بدل أن أتقعّر على الفرشة عاضًّا على أناملي، داسًّا قدميَّ العاريتين في فُتات القطن العَفِن.
في محاولة يائسة لإبقاء عينيَّ يقظتين أُعاود النظر إلى صورة أبي… خواطر طارئة تنكص بي إلى ذكرى أوّل كذبة أتتنا عن عودتهِ، يومَ تحمّسنا حماسَ من عانقَ عندهُ الحلمُ الحقيقةَ، وصافحَ الواقعُ الخيال، وبتوالي الكذبات عرّشت المرارة في القلب عنكبوتاتِ خيبةٍ ومقت يلوك براءة الحلم ويغتال الأمان.
-لن يعودَ أبوكم.. انسوه.
قالت أمي بجمود في ذكرى الكذبة العاشرة عن عودة أبي. من وقتها، أُسدل الصمت على الموضوع، وانعزلت أمي في غرفتها ساهمةً لأسابيع حتى خشينا أن تفقد صوتها أو عقلها. وحين فتحت بابها، ملأت البيت صراخًا ولعنًا..، قذفت رفشًا إلى بهيرة واعتقلت معولًا وانطلقت الاثنتان تواصلان الكدّ في الزراعة والسقاية والتعشيب وجني المحاصيل حيثما اتفقَّ ووجدتا من يبتاع قوة عملهما.