فهذه المعاني التي لامست بصدقٍ شغاف قلبه ، قد جعلت الدنيا بحذافيرها في عينه موضع الاستصغار ، وفي قلبه موضع الاحتقار ، وصار تمتعه بها تمتع المضطر الذي لا يرغب في المزيد منها ، وإنما يلجأ إليها فقط ليتبلغ بها إلى رضوان ربه ، فإذا ما لاحت له لحظة اللقاء ، كان أسعد المفارقين لها ، وأهنأ المسافرين إلى غيرها ، بعدما نفض عن نفسه غبار وسخها ، واستقبل الله طاهرًا من أدرانها ، لينعم برحمة الله في روضات الجنان . .
فعلام بعد ذلك تكون الحسرة ؟!
واحترقت منا القلوب يا شيخ !!
لا زلت أتذكر تلك الجلسة الروحانية التي تعانقت فيها الأفئدة ، ولانت فيها القلوب برغم هذا التزاحم الكبير لذاك الحشد الرهيب من الحضور ، حيث تزاحمت على إثره الركب ، محاولة تحقيق أكبر قدر من الدنو نحو مقعد الشيخ وسط ساحة مسجد مدينتنا الكبير ؛ كي يستمعوا لكلماته النورانية التي اخترق بها مسامع القلوب وأرهف بها مسامع الأفئدة ، وكان محور محاضرته يدور حول مقولة الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف: