قال الشيخ علي حيدر في «درر الحكام شرح مجلة الأحكام» [55] : «إن الأحكام التي تَتَغَيَّر بِتَغَيُّر الأزمان هي الأحكام المستنِدةُ على العرفِ والعادةِ; لأنه بِتَغَيُّر الأزمان تَتَغَيَّرُ احتياجاتُ الناس، وبناءً على هذا التغيُّرِ يتبدَّلُ أيضًا العرفُ والعادةُ، وبِتَغَيُّر العرفِ والعادة تَتَغَيَّر الأحكامُ حسبما أوضَحْنا آنفًا، بخلافِ الأحكام المستندة على الأدلَّةِ الشرعية التي لم تُبْنَ على العرف والعادة؛ فإنها لا تَتَغَيَّر. مثال ذلك: جزاءُ القاتل العامد: القتلُ، فهذا الحكم الشرعيُّ الذي لم يستند على العرف والعادة لا يتغير بِتَغَيُّر الأزمان. أما الذي يتغير بِتَغَيُّر الأزمان من الأحكام، فإنما هي المبنيَّة على العرف والعادة، كما قلنا، وإليك الأمثلةَ:
كان عند الفقهاءِ المتقدمين: أنه إذا اشترى أحدٌ دارًا اكتفى برؤيةِ بعض بيوتها [56] ، وعند المتأخرين: لابدَّ من رؤيةِ كلِّ بيتٍ منها على حِدَتِهِ، وهذا الاختلافُ ليس مستنِدًا إلى دليلٍ، بل هو ناشئٌ عن اختلاف العرف والعادة في أمر الإنشاء والبناء؛ وذلك أن العادةَ قديمًا في إنشاء الدور وبنائها: أن تكونَ جميعُ بيوتها متساويةً وعلى طِرازٍ واحد، فكانت على هذا رؤيةُ بعض البيوت تُغْني عن رؤية سائرها، وأما في هذا العصر: فإذا جرت العادةُ بأنَّ الدار الواحدةَ تكون بيوتها مختلفةً في الشكل والحجم لزم عندَ البيع رؤيةُ كلٍّ منها على الانفرادِ».
ومثَّل الشيخُ مصطفى الزَّرْقا لهذه القاعدة بقوله:
«لما نَدَرت العدالةُ وعَزَّت في هذه الأزمان، قالوا بقَبول شهادة الأمثَل فالأمثل، والأقل فجورًا فالأقل ...، وجوَّزوا تحليفَ الشهود عند إلحاح الخَصْمِ، وإذا رأى الحاكمُ ذلك؛ لفساد الزمان» [57] .
وذكر الدكتور محمد الزُّحَيلي بعضَ الضوابط لتلك الأحكام التي تتغيَّر بتغيُّر الأزمان والأشخاص، فقال: