وقد ذكر أبو إدريس عائذُ الله بن عبدالله الخَوْلاني رحمه الله: أنه أخبره يزيد بن عَميرة صاحبُ معاذ: أن معاذًا رضي الله عنه كان يقول - كلَّما جَلَسَ مَجْلِسَ ذِكْرٍ: اللهُ حَكَمٌ عَدْلٌ، تبارك اسمُه، هَلَكَ المرتابون. فقال معاذُ بن جبل يومًا في مجلسٍ جلسه: وراءكم فتنٌ يَكثُر فيها المالُ، ويُفتح فيها القرآنُ حتى يأخذَهُ المؤمنُ والمنافق، والحُرُّ والعبدُ، والرجلُ والمرأةُ، والكبيرُ والصغيرُ، فيوشك قائلٌ أن يقولَ: فما للناسِ لا يتَّبعوني [51] وقد قرأتُ القرآن؟! واللهِ ما هم بمتبعيَّ حتى أبتدعَ لهم غيره. فإياكم وما ابتُدِع؛ فإنّ ما ابتُدع ضلالةٌ، واحذروا زيغةَ الحكيمِ؛ فإن الشيطانَ قد يقولُ كلمةَ الضلالِ على فم الحكيمِ، وقد يقولُ المنافقُ كلمة الحقِّ. قال: قلتُ له: وما يُدريني - يرحمك الله - أنّ الحكيمَ يقولُ كلمة الضلالةِ، وأن المنافقَ يقولُ كلمة الحقِّ؟! قال: اجتنب من كلام الحكيم المشتبهاتِ التي تقولُ: ما هذه؟ ولا يُنْئِيَنَّكَ ذلك منه؛ فإنه لعلَّه أن يراجعَ ويلقى الحقَّ إذا سمعه؛ فإنّ على الحقِّ نورًا.اهـ [52] .
ووجد هؤلاء وغيرُهم قولَ بعض أهل العلم: «إن الفتوى قد تَتَغَيَّر بِتَغَيُّر الزمان والمكان والأحوال والنيَّات والعوائد» ، فَفُتِنوا بهذا القول، وظنوا أنهم يَسَعُهم الخروجُ من ثِقَلِ التكاليف الشرعية متى أرادوا، وصار هناك دَوِيٌّ للمطالبة بتجديدِ «الخطاب الديني» ! مع أن العلماءَ الذين أطلقوا هذا القولَ قصدوا به معنًى غيرَ المعنى الذي يذهَبُ إليه هؤلاء؛ فالأحكامُ الكليةُ الثابتةُ في حقِّ الْمُكَلَّفين لا يعتريها التغييرُ أو التبديلُ ؛ فليس المراد بِتَغَيُّر الفتوى تغيرَ هذه الأحكام، وتبدُّلَها من حلالٍ إلى حرام، ومن أمرٍ إلى نهي، أو عكس ذلك، ونحوه؛ وإنما المقصودُ تغيُّر تنزيلِ الحكم الشرعي بِتَغَيُّر أحوال النازلة بالمسلمين زمانًا ومكانًا وأشخاصًا .