وأنشده الهروي في غريبيه، على أن الخمر الإثم. فلا يبعد أن يكون الإثم يقع على جميع المعاصي وعلى الخمر أيضا لغة، فلا تناقض. والبغي: التجاوز في الظلم، وقيل: الفساد.
وقال السعدي رحمه الله:
قوله تعالى: (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) يقول تعالى ـ بعدما أنزل على بني آدم لباسا يواري سوءاتهم وريشا: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) (الأعراف: 26) ـ يقول: (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد) أي: استروا عوراتكم عند الصلاة كلها، فرضها ونفلها، فإن سترها زينة للبدن؛ كما أن كشفها يدع البدن قبيحا مشوها. ويحتمل أن المراد بالزينة هنا، ما فوق ذلك، من اللباس النظيف الحسن، ففي هذا، الأمر بستر العورة في الصلاة، وباستعمال التجميل فيها، ونظافة السترة من الأدناس والأنجاس.
ثم قال: (وكلوا واشربوا) أي: مما رزقكم الله من الطيبات (ولا تسرفوا) في ذلك. والإسراف، إما أن يكون بالزيادة على القدر الكافي، ولشره في المأكولات التي تضر بالجسم؛ وإما أن يكون بزيادة الترفه والتنوق في المآكل، والمشارب، واللباس؛ وإما بتجاوز الحلال إلى الحرام ... (إنه لا يحب المسرفين) فإن السرف يبغضه الله، ويضر بدن الإنسان ومعيشته، حتى إنه ربما أدت به الحال إلى أن يعجز عما يجب عليه من النفقات، ففي هذه الآية الكريمة، الأمر بتناول الأكل والشرب، والنهي عن تركهما، وعن الإسراف فيهما.
(قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون) قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون""
يقول تعالىـ منكرا على من تعنت، وحرم ما أحل الله من الطيبات ـ (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده) "من أنواع اللباس، على اختلاف أصنافه، والطيبات من الرزق، من مأكل، ومشرب، بجميع أنواعه، أي: من هذا الذي يقدم على تحريم ما أنعم الله على العباد، ومن ذا الذي يُضيق عليهم، ما وسعه الله؟ وهذا التوسيع من الله لعباده، بالطيبات، جعله لهم ليستعينوا به على عبادته، فلم يبحه إلا لعباده المؤمنين، ولهذا قال:"قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة"أي: لا تبعة عليهم فيها. ومفهوم الآية، أن من لم يؤمن بالله، بل استعان بها على معاصيه، فإنها غير خالصة له ولا مباحة، بل يعاقب عليها، وعلى التنعم بها، ويسأل عن النعيم يوم القيامة (كذلك نفصل الآيات) أي: نوضحها ونبينها (لقوم يعلمون) لأنهم الذين ينتفعون بما فصله الله من الآيات، ويعلمون أنها من عند الله، فيعقلونها ويفهمونها."