الصفحة 57 من 119

ثم ذكر المحرمات، التي حرمها الله في كل شريعة من الشرائع فقال: (قل إنما حرم ربي الفواحش) أي: الذنوب الكبار، التي تستفحش تستقبح، لشناعتها وقبحها، وذلك، كالزنا، واللواط، ونحوهما. وقوله:"ما ظهر منها وما بطن"أي: الفواحش التي تتعلق بحركات البدن، والتي تتعلق بحركات القلوب، كالكبر، والعجب والرياء، والنفاق، ونحو ذلك. (والإثم والبغي بغير الحق) أي: الذنوب التي تؤثم، وتوجب العقوبة في حقوق الله، والبغي على الناس، في دمائهم، وأموالهم، وأعراضهم، فدخل في هذا، الذنوب المتعلقة بحق الله، والمتعلقة بحق العباد. (وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا) أي: حجة، بل أنزل الحجة والبرهان على التوحيد ... والشرك، هو: أن يشرك مع الله في عبادته، أحد من الخلق. وربما دخل في هذا، الشرك الأصغر، كالرياء، والحلف بغير الله، ونحو ذلك. (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) في أسمائه وصفاته وأفعاله، وشرعه. فكل هذه قد حرمها الله، ونهى العباد عن تعاطيها، لما فيها من المفاسد الخاصة والعامة، ولما فيها من الظلم والتجرؤ على الله، والاستطالة على عباد الله، وتغيير دين الله وشرعه ...

14 - (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) (الأعراف: 55 - 56)

قال ابن كثير رحمه الله:

أرشد تبارك وتعالى عباده إلى دعائه الذي هو صلاحهم في دنياهم وأخراهم فقال: (ادعوا ربكم تضرعًا وخفية) قيل معناه تذللًا واستكانه, وخفية كقوله: (وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ) (الأعراف: 205)

وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال رفع الناس أصواتهم بالدعاء فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا إن الذي تدعون سميع قريب» الحديث,

وقال ابن جريج عن عطاء الخراساني عن ابن عباس في قوله تعالى: (تضرعًا وخفية) قال: السِّر ...

وقال ابن جرير (تضرعًا) أي تذللًا واستكانة لطاعته (وخفية) يقول: بخشوع قلوبكم وصحة اليقين بوحدانيته وربوبيته فيما بينكم وبينه لا جهرًا مراءاة

وقال عبد الله بن المبارك بن فضالة عن الحسن قال: إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزوار وما يشعرون به، ولقد أدركنا أقومًا ما كان على الأرض من عمل يقدرون أن يعملوه في السر فيكون علانية أبدًا، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت إن كان إلا همسًا بينهم وبين ربهم وذلك أن الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت