الصفحة 55 من 119

وقيل: المعنى أن هذه الطيبات الموجودات في الدنيا هي خالصة يوم القيامة، للمؤمنين في الدنيا؛ وخلوصها أنهم لا يعاقبون عليها ولا يعذبون فقوله: (في الحياة الدنيا) متعلق بـ (آمنوا) . وإلى هذا يشير تفسير سعيد بن جبير.

وقرأ الباقون بالنصب (خالصةً) على الحال والقطع؛ لأن الكلام قد تم دونه. ولا يجوز الوقف على هذه القراءة على (الدنيا) ؛ لأن ما بعده متعلق بقول (للذين آمنوا) حال منه؛ بتقدير قل هي ثابتة للذين آمنوا في الحياة الدنيا في حال خلوصها لهم يوم القيامة؛ قاله أبو علي. وخبر الابتداء (للذين آمنوا) . والعامل في الحال ما في اللام من معنى الفعل في قوله: (للذين) واختار سيبويه النصب لتقدم الظرف.

(كذلك نفصل الآيات) أي كالذي فصلت لكم الحلال والحرام أفصل لكم ما تحتاجون إليه ....

قوله تعالى: (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون)

قال الكلبي: لما لبس المسلمون الثياب وطافوا بالبيت غيرهم المشركون؛ فنزلت هذه الآية. والفواحش: الأعمال المفرطة في القبح، ما ظهر منها وما بطن. وروى روح بن عبادة عن زكريا بن إسحاق عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: (ما ظهر منها) نكاح الأمهات في الجاهلية. (وما بطن) الزنى. وقال قتادة: سرها وعلانيتها. وهذا فيه نظر؛ فإنه ذكر الإثم والبغي فدل أن المراد بالفواحش. بعضها، وإذا كان كذلك فالظاهر من الفواحش الزنى. والله أعلم. (والإثم) قال الحسن: الخمر. قال الشاعر:

شربت الإثم حتى ضل عقلي ... كذاك الإثم تذهب بالعقول

وقال آخر:

نشرب الإثم بالصواع جهارا ... وترى المسك بيننا مستعارا

(والبغي) الظلم وتجاوز الحد فيه. وقد تقدم. وقال ثعلب: البغي أن يقع الرجل في الرجل فيتكلم فيه، ويبغي عليه بغير الحق؛ إلا أن ينتصر منه بحق. وأخرج الإثم والبغي من الفواحش وهما منه لعظمهما وفحشهما؛ فنص على ذكرهما تأكيدا لأمرهما وقصدا للزجر عنهما. وكذا وقد أنكر جماعة أن يكون الإثم بمعنى الخمر. قال الفراء: الإثم ما دون الحد والاستطالة على الناس. قال النحاس: فأما أن يكون الإثم الخمر فلا يعرف ذلك، وحقيقة الإثم أنه جميع المعاصي؛ كما قال الشاعر:

إني وجدت الأمر أرشده ... تقوى الإله وشره الإثم

قلت: وأنكره ابن العربي أيضا وقال: ولا حجة في البيت؛ لأنه لو قال: شربت الذنب أو شربت الوزر لكان كذلك، ولم يوجب قول أن يكون الذنب والوزر اسما من أسماء الخمر كذلك، الإثم. والذي أوجب التكلم بمثل هذا الجهل باللغة وبطريق الأدلة في المعاني". قلت: وقد ذكرناه عن الحسن. وقال الجوهري في الصحاح: وقد يسمى الخمر إثما، وأنشد:"

شربت الإثم حتى ضل عقلي ... كذاك الإثم تذهب بالعقول

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت