الصفحة 17 من 119

فاعلم أولًا - وفقني الله وإياك لما يحب ويرضى-أن رب العالمين جعل طاعته في طاعة رسوله للناس أجمعين، قال: (مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ) (النساء: 80) ؛ ووعد المطيعين الطائعين برحمته، قال: (وَأَطِيعُوا اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (آل عمران: 132) وقال: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (النور: 56) وجعل الاهتداء إلى صراطه المستقيم مشروطاًَ بطاعة خليله المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، خاتم انبيائه، فقال - وهو الحق وقوله حق-: (وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا) (النور: 54) ...

وطاعة الله في الرضى به ربّاًَ واحدًا أحدًا لا شريك له، مع امتثال أوامره، واجتناب نواهيه، والتمسك بكتابه ... وبالإسلام الذي رضيه لنا دينا مع العمل به والدفاع عنه ... وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - نبياًَ ورسولًا مع اتباعه في هديه، وإحياء سنته، والذود عنها بمقاومة أهل البدع والآهواء، ومعاداة الغالين وكل موسوم بالجفاء ... ولا يتأتى هذا إلا بحب صحابته الذين ضحوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله حتى رفرفت عاليةً، في سماء العِز، رايةُ الدين الذي لايقبل الله غيره كما قال: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران 85) .

5 - (فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ * وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) (آل عمران: 57)

قال الطبري رحمه الله:

القول في تأويل قوله تعالى:

(فَأَمّا الّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدّنْيَا وَالاَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مّن نّاصِرِينَ * وَأَمّا الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللّهُ لاَ يُحِبّ الظّالِمِينَ)

يعني بقوله جلّ ثناؤه: (فَأمّا الّذِينَ كَفَرُوا) : فأما الذين جحدوا نبوّتك يا عيسى, وخالفوا ملتك, وكذّبوا بما جئتهم به من الحقّ, وقالوا فيك الباطل, وأضافوك إلى غير الذي ينبغي أن يضيفوك إليه من اليهود والنصارى, وسائر أصناف الأديان فإني أعذّبهم عذابا شديدا ... أما في الدنيا، فبالقتل والسباء والذلة والمسكنة؛ وأما في الاَخرة، فبنار جهنم خالدين فيها أبدا. (وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) يقول: وما لهم من عذاب الله مانع, ولا عن أليم عقابه لهم دافع، بقوّة ولا شفاعة, لأنه العزيز ذو الانتقام.

وأما قوله: (وأمّا الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ) فإنه يعني تعالى ذكره: وأما الذين آمنوا بك يا عيسى, يقول: صدّقوك فأقرّوا بنبوّتك, وبما جئتهم به من الحقّ من عندي, ودانوا بالإسلام الذي بعثتك به, وعملوا بما فرضت من فرائضي على لسانك, وشرعت من شرائعي, وسننت من سنني. كما:

حدثني المثنى, قال: حدثنا عبد الله بن صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: (وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ) يقول: أدَّوا فرائضه, فيوفيهم أجورهم, يقول: فيعطيهم جزاء أعمالهم الصالحة كاملًا لا يُبخَسون منه شيئا ولا ينقصونه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت