وأما قوله: (وَاللّهُ لاَ يُحِبّ الظّالِمِينَ) فإنه يعني: والله لا يحبّ من ظلم غيره حقا له, أو وضع شيئا في غير موضعه. فنفى جلّ ثناؤه عن نفسه بذلك أن يظلم عباده, فيجازي المسيء ممن كفر جزاء المحسنين ممن آمن به, أو يجازي المحسن ممن آمن به واتبع أمره وانتهى عما نهاه عنه فأطاعه, جزاء المسيئين ممن كفر به وكذّب رسله وخالف أمره ونهيه, فقال: إني لا أحبّ الظالمين, فكيف أظلم خلقي.
وهذا القول من الله تعالى ذكره, وإن كان خرج مخرج الخبر, كأنه وعيد منه للكافرين به وبرسله, ووعد منه للمؤمنين به وبرسله, لأنه أعلم الفريقين جميعا أنه لا يبخس هذا المؤمن حقه, ولا يظلم كرامته, فيضعها فيمن كفر به, وخالف أمره ونهيه, فيكون لها بوضعها في غير أهلها ظالما.
وقال السعدي رحمه الله
وسينزل عيسى بن مريم في آخر هذه الأمة حكَمًا عدلًا يقتل الخنزير ويكسِّر الصليب، ويتَّبع ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم -،ويعلَم الكاذبون غرورَهم وخداعَهم وأنهم مغرورون مخدوعون ... وقوله تعالى لعيسى عليه السلام: (وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) (آل عمران 55) المراد بمَن اتَّبعه الطائفة التي آمنت به ونصرهم الله على من انحرف عن دينه ... ثم لما جاءت أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - فكانوا هم أتباعه حقا فأيدهم الله ونصرهم على الكفار كلهم وأظهرهم بالدين الذي جاءهم به محمد - صلى الله عليه وسلم - .. (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور: 55) ... ولكن حكمة الله عادلة فإنها اقتضت أن من تمسك بالدين نصره الله النصر المبين وأن من ترك أمره ونهيه ونبذ شرعه وتجرأ على معاصيه أن يعاقبه ويسلط عليه الأعداء والله عزيز حكيم .. ثم بين ما يفعله بهم (فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ * وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) وهذا الجزاء عام لكل من اتصف بهذه الأوصاف من جميع أهل الأديان السابقة ثم لما بعث سيد المرسلين وخاتم النبيين ونَسخت رسالتُه الرسالاتِ كلِّها ونَسخ دينُه جميعَ الأديان صار المتمسك بغير هذا الدين من الهالكين ...
6 - (إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) (آل عمران: 140)
قال القرطبي رحمه الله: