عظيماً، لأنهم كانوا سَبَبَ عِلْمنا، فهم شركاؤنا في كلِّ ما قيدنا وعلمنا مِمَّا أخذنا عنهم.
والطَّائفة الثَّالثة هي المُعْرِضَةُ عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التي لا تَرْفَعُ به رأساً، ولا تقبله إذا سمعته، ولا تُعْنى به، ولا تَطْلُبه، كما أنَّ تلك القيعانَ مرَّ عليها الماءُ مَرَّاً، كما دَخَلَ خَرَجَ.
فمن استطاع منكم - أيُّها الإخوة في الله عزَّ وجلَّ - أن يكونَ من الطَّائفة الأولى النَّقيَّة فَلْيَفْعَلْ، فحسبُ الواحدِ منَّا أن يكونَ في جملة مَنْ أثنى عليه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فإنْ لم يُمْنَحْ ذلك؛ فَلْيَكُنْ من الأجادب التي تُمْسِكُ الماء، لعلَّ الله ينفع بنا وبكم في ذلك، ولو أن يموتَ أحدنا وهو مُقَيِّدٌ لحديث النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يشاهدُ مجالِسَهُ، طالبٌ له، مُسْتَكْثِرٌ منه! فأُعيذُ نفسي وإيَّاكم بالله أنْ نكونَ من القيعانِ التي لا تُمْسِكُ ماءً، ولا تُنْبِتُ كلاً!
وأمَّا كتبُ الرَّأْي؛ فاعلموا أنَّها لا تحلُّ قراءتها على معنى تقليد ما فيها والتَّدَيُّن به، ويكفي في هذا قوله - تعالى -: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ﴾ [النساء: ٥٩] ، فمن كانَ يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فحرامٌ عليه أنْ يَرُدَّ شيئاً مِمَّا اخْتُلِفَ فيه إلى قول عائشة، وأمِّ سلمة، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وابن مسعود، ومعاذ، والعبَّاس - رضي الله عنهم أجمعين -، وهؤلاء أفاضلُ الأمَّة وعلماؤها، فكيفَ إلى قول أبي حنيفة، وإلى سفيان، ومالك، والشَّافعيِّ، وأحمد، وداود، وأبي يوسف، ومحمَّد، وابن القاسم؟⁽١⁾ لأنَّ مَنْ ردَّ ذلك إلى غير القرءان وحديث
--------------------
(١) داود هو: ابن علي بن خلف، أبو سليمان البغدادي الأصبهاني الظاهري (ت: ٢٧٠هـ) ، وأبو يوسف: يعقوب بن إبراهيم القاضي (ت: ١٨٢هـ) ، ومحمد بن الحسن الشيباني الكوفي (ت: ١٨٩هـ) وهما صاحبا الإمام أبي حنيفة رحمهم الله. وابن القاسم: أبو عبد الله عبدالرحمن بن القاسم العُتَقي المصري (ت: ١٩١هـ) صاحب الإمام مالك - رحمهما الله -. ولم أرَ الإطالة بترجمة من تقدَّم ذكرهم من الصحابة والأئمة لشهرتهم، وتكرر ذكرهم، رضي الله عنهم أجمعين.