الصفحة 134 من 173

الجرجانيُّ، قالَ: حدَّثنا محمَّدُ بن يوسفَ الفِرَبْرِيُّ، قالَ: حدَّثنا محمَّدُ بن إسماعيل البخاريُّ⁽١⁾، قالَ: حدَّثنا محمَّدٌ، قالَ: حدَّثنا حمَّادُ بن أسامةَ، عن بُرَيدِ بن عبدِاللهِ، عن أبي بُرْدَةَ، عن أبي موسى، عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّه قالَ: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللهُ [به] مِنَ الهُدَى والعِلْمِ؛ كَمَثَلِ غَيْثٍ كَثِيرٍ أَصَابَ أَرْضاً، فكانَ مِنْها نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الماءَ فَأَنْبَتَتِ الكَلأَ والعُشْبَ الكَثِيرَ، وكانَ مِنْها أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الماءَ فَنَفَعَ الله - تعالى - به [النَّاسَ] فَشَرِبُوا وسَقَوْا وزَرَعُوا⁽٢⁾، وأصابَتْ مِنْها طائِفَةً أُخْرىٰ إنَّما هي قِيعانٌ لا تُمْسِكُ ماءً ولا تُنْبِتُ كَلأً، فذلكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ في دِينِ الله ونَفَعَهُ ما بَعَثَنِي الله بِهِ فَعَلِمَ وعَلَّمَ⁽٣⁾، ومَثَلُ مَنْ لم يَرْفَعْ بذلكَ رَأساً، ولم يَقْبَلْ هُدَى الله الذي أُرْسِلْتُ بِهِ».

فهذا الحديثُ - أيُّها الإخوةُ الأصفياءُ! - لو لم يأْتِنا غيره لكفانا، ففيه جِماعُ طبقاتِ النَّاس كما تَرَوْنَ:

والطَّائفةُ الأولىٰ التي أنبتَتِ الكلأَ والعُشْبَ؛ هم الذين فهِمُوا معانيَ القرءان والحديثِ، وتديَّنوا بها، وعلَّمُوها النَّاسَ.

والطَّائفة الثانية التي أمسكتِ الماءَ فشَرِبَ النَّاسُ منها فسَقَوْا ورَعَوْا؛ هم الشُّيوخُ الذين رَوَوا لنا الحديث، وقيَّدُوهُ، وعُنُوا به، وبلَّغُوه إلينا فأخذناه عنهم وإن لم يكُنْ لهم فِقْهٌ فيه، ولكنَّهم - رضي الله عنهم - أَجْرَوْا فينا أجراً

--------------------

(١) في «صحيحه» (٧٩) ، وأخرجه مسلم (٢٢٨٢) أيضاً.

(٢) في هامش ص: (صوابه: «وَزَرَعوا» ، وكذلك أخرجه مسلم في كتابه، إذ الزرع في الأول، وتصحَّفت اللفظة في البخاري - والله أعلم! - من النَّقَلة). قلت ليس تصحيفاً، إنَّما هو رواية «الصَّحيح» ، قال النَّووي: كلاهما صحيح. وقال ابن حجر: ورجَّح القاضي (عياض) رواية مسلم بلا مرجِّح؛ لأن رواية: (زرعوا) تدلُّ على مباشرة الزَّرع ليُطابق في التَّمثيل مباشرة طلب العلم، وإن كانت رواية: (رَعَوْا) مطابقة لقوله: (أنبتت) ، لكن المراد أنها قابلة للإنبات، وقيل: إنه رُوِيَ: (ووعوا) بواوين. ولا أصل لذلك. وقال القاضي: قوله: (ورَعَوْا) راجع للأولى، لأن الثانية لم يحصل منها نبات. انتهى. ويمكن أن يرجع إلى الثانية - أيضاً - بمعنى أنَّ الماء الذي استقرَّ بها سقيت منه أرض أخرى فأنبتت. «فتح الباري» .

(٣) ص: (وعمل) ، وما أثبته فمن «الصحيحين» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت