وأمَّا مِنَ اللُّغةِ فمِثْلُ ذلك أيضاً، ويُجْزِيءُ عنه مِنَ الغريبِ: «المصنَّفُ» لأبي عُبَيْدٍ⁽١⁾، فإنْ زادَ وأوغلَ واسْتَكْثَرَ من دواوينِ اللُّغةِ فقد أحسنَ وأجرَ.
ويَجِبُ روايةُ شِعْرِ حسَّانَ بنِ ثابتٍ، وكَعْبِ بنِ مالكٍ، وعبدِالله بنِ رواحة - رضي الله عنهم -، وما خَفَّ من مختارِ أشعارِ الجاهليِّينَ، ومختارِ أشعارِ المسلمين، غيرَ مُسْتَكْثِرٍ من ذلك، ولكن بقَدْرِ ما يتدَرَّبُ في فَهْمِ معاني لغةِ العربِ، ومَخَارجِ كلامهم.
وعلمُ الحسابِ والطِّبُّ - أيضاً - من العلومِ الرَّفيعةِ، فَمَنْ طلبَ علماً من ذلك لينتفعَ به النَّاسُ في القِسمةِ والعلاجِ وحسابِ مقابلتهم⁽٢⁾ فهو مأجورٌ. وتَعَلُّمُ هذا المقدارِ فَرْضٌ على الكفايةِ، إذ لو جُهِلَ هذا لضاعَ كثيرٌ من الدِّينِ، كحسابِ الوصايا والمواريثِ، ومعرفةِ البيوعِ، وغيرِ ذلك. ومَنْ طلبهما ليَكْتَسِبَ منهما فمأجورٌ - أيضاً -، ومن طلبهما ليتوصَّلَ بهما إلى الظُّلْمِ؛ فآثمٌ فاسقٌ.
وأمَّا معرفةُ قراءةِ الحديثِ ففرضٌ على الكفايةِ، بقوله - تعالى -: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ١٢٢﴾ [التوبة: ١٢٢] . ولا سبيلَ إلى التَّفقُّهِ في الدِّينِ إلا بمعرفةِ أحكامِ القرءانِ، وحديثِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، صحيحِهِ مِنْ سَقِيمِهِ، وناسخِهِ مِنْ مَنْسُوخِهِ، وما أُجْمِعَ عليه مِمَّا اختلف فيه، فهذا أفضلُ ما استعملَ المرءُ فيه نفسَه، وأعظمُ ما يُحاولُ لأجره، وأمحاهُ لذنوبه.
وقد قَسَّمَ النَّبيُّ هذا البابَ أقساماً كافيةً⁽٣⁾؛ كما حدَّثنا القاضي حُمامُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا عبدُالله بن إبراهيم الأصيليُّ، قال: حدَّثنا أبو أحمد
--------------------
(١) هو الإمام الحجَّة أبو عُبيد القاسم بن سلام الهروي البغدادي (١٥٧ - ٢٢٤هـ) ، وكتابه جليل القدر، صرف في تأليفه وجمعه أربعين سنة. وقد طبع في الهند، ثم طبع في بيروت وتونس.
(٢) هذه قراءة (ع) ، وفي الأصل: (مقالبهم) .
(٣) الأصل: (أقساماً كثيرة كافية) ، وشُطِبَ على (كثيرة) ، ولم ينتبه لذلك (ع) فأثبتها.