الصفحة 131 من 173

فمن طَلَبَ علمَ النَّحوِ واللُّغةِ على النِّيَّةِ التي ذكرنا؛ فهو أعظمُ أجرٍ، وأفضلُ عِلْمٍ، ومَنْ طلبهما ليكونا له مَكْسَباً ومعاشاً فهو مأجورٌ مُحْسِنٌ، ولكنَّ أجْرَهُ دونَ أجرِ الأوَّلِ، وفوقَ سائرِ الصِّناعاتِ التي يُعاشُ منها، لأنَّه يعلِّم الخير ويبقي ءاخر عالماً فيمن علم، ومَنْ طلبهما ليتوصَّلَ بهما إلى إقامة المظالم، وإحياءِ رُسُومِ الجَوْرِ، والتَّدَرُّبِ في أحكام المكوس والقبالات، والمخاطبة عَنْ فُسَّاقِ الملوك بما يُرْضِيهم ويسخط الله - عزَّ وجلَّ -؛ فقد خابَ وخَسِرَ وغدا في لعنة الله وراح فيها، لأنَّه ظالِمٌ، وقد قالَ الله: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] .

وأما علم الشِّعر؛ فإنَّه على ثلاثة أقسام:

أحدها⁽١⁾: أن لا يكونَ للإنسان عِلْمٌ غيره؛ فهذا حرامٌ، يُبَيِّنُ ذلك قولُه - عليه السَّلام -: «لأَنْ يُمْلأَ» أو: «يَمْتَلِيءَ جَوْفُ أحدِكُمْ قَيْحاً حتَّى يَرِيَهُ؛ خيرٌ له مِنْ أَنْ يَمْتَلِيءَ شِعْراً»⁽٢⁾.

والثاني: الاستِكْثَارُ منه، فَلَسْنَا نُحِبُّه، وليسَ بحرام، ولا يأثَمُ المُستكثِرُ منه إذا ضَرَبَ في علم دينه بنصيب، ولكنَّ الاشتغالَ بغَيْرِهِ أفضلُ.

والثالث: الأخذُ منه بنصيب، فهذا نُحِبُّه، ونَحُضُّ عليه، لأنَّ النبيَّ - عليه السَّلام - قد استنشَدَ الشِّعْرَ⁽٣⁾، وأنشدَ حَسَّانُ على مِنْبَرِهِ - عليه

--------------------

(١) ص: (أحدهما) .

(٢) رواه البخاريُّ (٦١٥٥) ، ومسلم (٢٢٥٧) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، ورواه البخاري (٦١٥٤) من حديث ابن عمر - رضي الله عنه -. قوله: (حتَّى يَرِيَه) قال النَّووي: من الوَرْي، وهو داء يفسد الجوف، ومعناه: قيحاً يأكل جوفه ويفسده.

(٣) روى مسلم (٢٢٥٥) عَنِ الشَّرِيدِ بن سويد الثقفي، قَالَ: رَدِفْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْماً، فَقَالَ: «هَلْ مَعَكَ مِنْ شِعْرِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ شَيْءٌ» قُلْتُ: نَعَمْ! قَالَ: «هِيهِ!» . فَأَنْشَدْتُهُ بَيْتاً، فَقَالَ: «هِيهِ!» . ثُمَّ أَنْشَدْتُهُ بَيْتاً، فَقَالَ: «هِيهِ!» حَتَّى أَنْشَدْتُهُ مِئَةَ بَيْتٍ، وقَالَ: «إِنْ كَادَ لَيُسْلِمُ» ، وَفي رواية: «فَلَقَدْ كَادَ يُسْلِمُ فِي شِعْرِهِ» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت