يقولُ: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمْۖ﴾ [إبراهيم: ٤] ، وأنزل القرءانَ على نبيِّه - عليه السَّلام -: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ ١٩٥﴾ [الشعراء: ١٩٥]، فمن لم يَعْلَم النَّحْوَ واللُّغَةَ؛ فلم يعلم اللِّسانَ الذي به بيَّن اللهُ لنا ديننا وخاطبنا به، وَمَنْ لم يعلم ذلك فلم يعلم دينَهُ، ومن لم يعلم دينه ففرضٌ عليه أن يتعلَّمه، وفرضٌ عليه واجبٌ تعلُّم النَّحو واللُّغة، ولا بدَّ منه على الكفاية - كما قدَّمنا -، ولو سَقَطَ علمُ النَّحو لسقط فهم القرءان وفهم حديث النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولو سَقَطَ لَسَقَطَ الإسلامُ، فمن طلب النَّحوَ واللُّغةَ على نيَّةِ إقامة الشَّريعة بذلك، وليَفْهَمَ بهما كلامَ الله - تعالى - وكلامَ نبيِّهِ وليُفْهِمَهُ غيرَه؛ فهذا له أجرٌ عظيمٌ، ومرتبةٌ عاليةٌ لا يجب التَّقصيرُ عنها لأحدٍ.
وأمَّا مَنْ وَسَمَ اسمه باسم العِلْم والفقه وهو جاهلٌ للنَّحْو واللُّغة⁽١⁾؛ فحرامٌ عليه أن يُفتيَ في دين الله بكَلِمَةٍ، وحرامٌ على المسلمين أنْ يَسْتَفْتُوهُ، لأنَّه لا علم له باللِّسان الذي خاطبنا الله تعالى به. وإذا لم يَعْلَمْهُ فحرامٌ عليه أن يفتيَ بما لا يعلم؛ قال الله - تعالى -: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ ۚ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْـُٔولًا ٣٦﴾ [الإسراء: ٣٦] ، وقال - تعالى -: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلْفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلْإِثْمَ وَٱلْبَغْيَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا۟ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ سُلْطَٰنًا وَأَن تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ٣٣﴾ [الأعراف: ٣٣] ، وقال تعالى: ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَٰهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِۦ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُۥ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥] . فمن لم يعلم اللسانَ الذي به خاطبنا الله - عزَّ وجلَّ -، ولم يعرف اختلافَ المعاني فيه لاختلاف الحركات في ألفاظه، ثُمَّ أخبرَ عن الله بأوامره ونواهيه؛ فقد قالَ على الله ما لا يعلمُ. وكيف يُفتي في الطَّهارة مَنْ لا يعلم الصَّعيد في لغة العرب؟ وكيف يُفتي في الذَّبائح مَنْ لا يَدْري ماذا يقع عليه اسم الذَّكاة في لُغَةِ العَرَبِ؟ أم كيفَ يُفتي في الدِّين مَنْ لا يَدْري خَفْضَ اللام أو رَفْعَها مِنْ قول الله - عزَّ وجلَّ -: ﴿أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيٓءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ۙ وَرَسُولُهُۥۚ﴾ [التوبة: ٣] ، ومثل هذا في القرءان والسُّنة كثيرٌ، وفي هذا كفاية.
--------------------
(١) هذه قراءة (ع) ، وفي الأصل: (جاهل النحو واللغة) .