الصفحة 129 من 173

فنعم - وفَّقنا الله وإيَّاكم لما يرضيه -: أمَّا الاشتغالُ بروايات القرَّاء المشهورينَ السَّبعةِ⁽١⁾، وقراءة الحديث، وطلب علم النَّحو واللُّغة، فإنَّ طلبَ هذه العلوم فَرْضٌ واجبٌ على المسلمين على الكفاية، بمعنى أنَّ من قام بطلبها حتَّى يَعُمَّ بعلمه تعليمُ مَنْ طلبها، أو فُتْيا مَن استفتاه فيها مِنْ أهل بلده أو قريته، فإذا قام بذلك مَنْ يُعْنَى بهذا القَدْرِ؛ سَقَطَ فَرْضُ طلبها حينئذٍ عن الباقينَ، إلا ما يخصُّ كلَّ إنسانٍ في نفسه فقط. فالذي يَلْزَمُ كلَّ إنسانٍ - في ذات نفسه - من حفظ القرءان؛ فهو أمُّ القرءان، وشيءٌ مِنَ القرءان معها؛ ولو سورة أيِّ سورةٍ كانت، أو أيُّ ءايةٍ، فهذا لا بدَّ لكلِّ إنسانٍ منه. ثم طلبُ علم القرءان، واختلافِ القرَّاء السَّبعة فيه، وضبط قراءتهم - كلِّهم -؛ فرضٌ على الكفاية، وفضلٌ عظيمٌ لمن طَلَبَهُ إن كان في بلده كثيرٌ مِمَّنْ يُحْكِمُهُ، وأجرٌ جزيلٌ، قالَ - عليه السَّلام -: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْءَانَ وَعَلَّمَهُ»⁽٢⁾، فكفى بهذا فضلاً، وقد أمرَ - عليه السَّلام - بتعليم القرءان؛ فمن تعلَّمه فهو خَيْرٌ، ولو ضاعَ هذا البابُ لذَهَبَ القرءانُ وضاعَ، وحرامٌ على المسلمينَ تَضْيِيعُهُ، وذهابُهُ مِنْ أشراط السَّاعةِ⁽٣⁾، وكذلك ذهاب العلم⁽٤⁾. وأما النَّحْوُ واللُّغة؛ ففرضٌ على الكفاية - أيضاً - كما قدَّمنا، لأنَّ الله

--------------------

(١) وَهُم: عبد الله بن عامر اليحصبي (ت: ١١٨هـ) ، وعبد الله بن كثير الدَّاري (ت: ١٢٠هـ)، وعاصم بن بهدلة أبي النَّجود (ت: ١٢٧هـ) ، وأبو عمرو بن العلاء (ت: ١٥٤هـ)، وحمزة بن حبيب الزَّيَّات (ت: ١٥٦هـ) ، وأبو عبدالرحمن نافع بن عبدالرحمن بن أبي نعيم (ت: ١٦٩هـ) ، وعلي بن حمزة الكسائي (ت: ١٨٩هـ) . وهم الذين جمع ابن مجاهد (ت: ٣٢٤هـ) قراءاتهم في كتاب «السَّبعة» .

(٢) رواه البخاري (٥٠٢٧) من حديث عثمان بن عفَّان - رضي الله عنه -.

(٣) كما في حديث حذيفة - رضي الله عنه - عند ابن ماجة (٤٠٤٩) ، وأورده الألباني في «الصحيحة» (٨٧) .

(٤) كما في حديث أنس - رضي الله عنه - عند البخاري (٨٠) ، ومسلم (٢٦٧١) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت