الصفحة 122 من 173

إنَّ أجلَّ سِيَرِ المسلم ثلاثةٌ: طَلَبُ العِلْمِ ونَشْرُهُ، والحكمُ بالعَدْلِ لمن ولي شيئاً مِنْ أمور المسلمين، والجهاد، كلُّ هذا مع أداء الفرائض، واجتناب المحارم. وبعد هذا المداومةُ على الوتر، وركعتي الفَجْر والضُّحى، وركعتين في اللَّيل وقبل الوتر في مَنْزِلِهِ، وركعتين متى ما دخل المسجدَ⁽١⁾. فإنْ زادَ فليصلِّ الضُّحى ثمانيَ رَكَعاتٍ، وليصلِّ اثنتي عشرةَ⁽٢⁾ ركعةً في ءاخر اللَّيل في منزله قبل الوتر أو في أي وقتٍ أمكنه مِنَ اللَّيل، ولا أحبُّ له الزيادة في الضُّحى على ما ذكرتُ⁽٣⁾، لكن من أراد الزيادة فليطوِّل القراءةَ والرُّكوعَ والسُّجود ما شاءَ، فإنِّي أخافُ عليه ما خافَهُ مالكُ بنُ أنس إذ سأله سائلٌ عَنْ رَجُلٍ أحرمَ قبل الميقاتِ، فكرِهَ ذلكَ، وقالَ: لعلَّه يَتَوَهَّمُ أنَّه يأتي بأحسنَ مِمَّا⁽٤⁾ أتى به نَبِيُّه - عليه السَّلام - فيهلك!

وأنا أكره لكلِّ أحدٍ أن يزيدَ على عَدَدِ ما كان يتنفَّلُ به نبيه محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لوجهين:

أحدهما: قولُ الله - عزَّ وجلَّ -: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] .

والثَّاني: أنْ يَخْطِرَ الشَّيطانُ في قلبه فيُوَسْوِسَ أنَّه قد فَعَلَ مِنَ الخَيْرِ أكثرَ مِمَّا كانَ محمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يفعله؛ فيهلك في الأبد، ويَحْبَطَ عملُه، ويجدَ صلاتَه وصيامَه في ميزان سيئاته، فيا لها مصيبة ما أعظمها؛ أنْ يَحْصُلَ في

--------------------

(١) هذه الصَّلوات أوكد التَّطوع عند المصنِّف، وتفصيل ذلك في «المحلَّى بالآثار» (المسألة: ٢٧٥، و٢٨٢) .

(٢) ص: (اثنا عشر) .

(٣) لأنَّ ذلك أكثر ما ورد من فعل النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ كما في حديث أُمِّ هانئ: أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى - عام الفَتْح - ثَمَانَ رَكَعاتٍ سُبْحَةَ الضُّحى. وهو عند البخاريِّ (٢٨٠) ، (٣٥٧) ،

(١١٠٤) ، (١١٧٦) ، (٣١٧١) ، (٤٢٩٢) ، ومسلم (٣٣٦) - واللَّفظ من رواية له -، وقد اختلف العلماء في دلالة الحديث بما شرحه ابن حجر في «فتح الباري»

(١١٧٦) ، وذهب أكثر العلماء إلى أن أكثر الضحى ثمان ركعاتٍ.

(٤) ص: (م) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت