الصفحة 120 من 173

كُلَّهَا - عَشْرَ مَرَّاتٍ»⁽١⁾. وهذا حديثٌ صحيحٌ، فلا يَدْخُلَنَّكم فيه داخلةٌ لبراهينَ يطول فيها الكلام، ولِصِغَرِ قَدْرِ الأرض وقلَّته في الإضافة إلى قَدْرِ الآخرة وسعتها، يعلم ذلك مَنْ عَلِمَ هيئةَ العالم، وتفاهةَ الأرض في عِظَمِ السَّموات. ولعمري! إنَّ هذه فضيلةٌ عظيمةٌ، لا سيَّما إذا أفكرنا أنها خالدةٌ لا تنقضي أبداً. ولكن إذا أفكرنا فيما قَبْلَهَا مِنْ طُولِ المكثِ بين أطباقِ النِّيران: يتجرَّعون الزَّقُّوم، ويَشْرَبُونَ الغِسْلِينَ، ﴿وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ ۝٢١﴾ [الحج: ٢١] ، و﴿الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ [غافر: ٧١] ، والملائكة يَسْحَبُونهم على وجوههم، و﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم﴾ [النساء: ٥٦] بُدِّلُوا ﴿جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦] ؛ لَمْ يَفِ بذلك سُرورٌ وإن جَلَّ.

ونَسألُ الله أن يُجيرنا وإيَّاكم مِنْ هذه المرتبة، ءامين.

فلهؤلاء ذُخِّرَتِ الشَّفاعةُ، وفي جملتهم يَدْخُلُ مَنْ لم تكن له وسيلةٌ، ولا عَمِلَ خيراً قطُّ⁽٢⁾؛ غيرَ اعتقادِ الإسلام والنُّطق به، ولا اسْتَكَفَّ عَنْ شَرٍّ قطُّ حاشا الكُفْرَ⁽٣⁾. على قَدْرِ ما يَفْضُلُ مِنَ السَّيِّئاتِ على الحسناتِ يكونُ العذابُ، فأقلُّه غَمْسَةٌ؛ كما جاء في الحديث المذكور منه ءانفاً، ومَنْ يَلِجِ

--------------------

(١) تقدمت الإشارة إلى حديث أبي سعيد، وهو في «الصحيحين» .

(٢) ورد هذا في حديث أبي سعيد الطَّويل الذي تكررت الإشارة إليه، وهذا اللَّفظ منه ورد في روايةٍ عند مسلم (١٨٢) ، ونصه: «فَيَقُولُ الله - عَزَّ وَجَلَّ -: شَفَعَتِ الْمَلَائِكَةُ، وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ، وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَمْ يَبْقَ إِلا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ؛ فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْماً لَمْ يَعْمَلُوا خَيْراً قَطُّ قَدْ عَادُوا حُمَماً، فَيُلْقِيهِمْ فِي نَهَرٍ فِي أَفْوَاهِ الْجَنَّةِ، يُقَالُ لَهُ: نَهَرُ الْحَيَاةِ»، وأخرجه أحمد ٩٤/٣ (١١٨٩٨) من وجه آخر. ويشهد له ما ورد في تمام الحديث: «فَيَخْرُجُونَ كَاللُّؤْلُؤِ فِي رِقَابِهِم الْخَوَاتِمُ، يَعْرِفُهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ: هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ الله الَّذِينَ أَدْخَلَهُمُ الله الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ، وَلَا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ»، وهذا اللفظ عند البخاري (٧٤٤٠) من وجه آخر.

(٣) مراد المصنِّف - رحمه الله - أن الشفاعة ثابتة مطلقاً فيمن لم يعمل خيراً قطُّ، ويلزم من هذا القول بأن جنس العمل الظاهر ليس شرطاً في صحة الإيمان، وإليه ذهب المصنِّف - رحمه الله - في كتابه: «الدُّرَّةُ فيما يجب اعتقاده» ، واحتجَّ له بهذا - أعني: بالشفاعة في من لم يعمل خيراً قطُّ - والشفاعة لا تكون في الكفار كفراً أكبر.=

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت