الصفحة 119 من 173

الخالق الذي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَيْءٌۖ﴾ [الشورى: ١١] ، والذي: ﴿يَعْلَمُ خَآئِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ۝١٩﴾ [غافر: ١٩] ، والذي: لا يُعْجِزُهُ شيءٌ في الأرض ولا في السماء⁽١⁾؟ فكيف بنارٍ أشدُّ مِنْ نارنا بسبعينَ ضعفاً؟ فتأملوا ذلك - عافانا الله وإياكم منها - في فعل الصَّواعق في صُمِّ الهضاب وشُمِّ الجبال، فإنها تبلغ في التأثير فيها في ساعةٍ ما لا تبلغه نارنا لَوْ وَقَدْناها هنالك عاماً مجرَّماً، فكيف بجلودٍ ضعيفةٍ، ونفوسٍ أَلِيمةٍ؟ هذا على أنَّ الحسنَ البصريَّ - رضي الله عنه - ذَكَرَ يَوْماً موقفَ رَجُلٍ يخرجُ مِنَ النَّارِ بعد ألف سنةٍ؛ فقالَ: يا لَيْتَنِي ذلكَ الرَّجُلُ⁽٢⁾! وإنَّما تمنَّى الحسنُ هذا خوفاً من خاتمة شقاءٍ، وأن يموتَ على غير الإسلام فيستحقَّ الخلودَ في النَّار في الأبد. فقد كان ابن عمر - رضي الله عنهما - يدعو الله أن يميته على الإسلام. وكانَ الأسودُ بن يزيد⁽٣⁾ يقولُ: ما حَسَدْتُ أحداً حَسَدِي مؤمناً قد دُلِّيَ في قَبْرِهِ! وإنَّما تمنَّى الأسودُ ذلك لأنَّه إذا ماتَ مسلماً أَمِنَ الكفرَ.

فهذه المرتبة - أيُّها الإخوةُ - مرتبةٌ نعوذُ بالله منها، فقد صحَّ عن النبيِّ - عليه السَّلام -: «أنَّ المرءَ المنعَّمَ في الدُّنيا يُغْمَسُ في النَّار غَمْسَةً ثُمَّ يُقالُ: أرأيتَ خيراً قَطُّ؟ فيقولُ: لا ما رأيتُ خيراً قَطُّ!»⁽٤⁾ هذا في غَمْسَةٍ؛ فكيفَ بمن يبقى خمسينَ ألفَ سنةٍ يُجَدَّدُ له فيها أضعاف العذاب؟ على أنَّه قد صحَّ عن النبيِّ - عليه السَّلام - من طريق أبي سعيد الخدريِّ: «أنَّ ءاخر أهل النَّار دُخُولاً الجنَّة وخروجاً مِنَ النَّار، وأقلَّ أهل الجنَّة منزلةً؛ رَجُلٌ أَمَرَهُ الله أنْ يتمنَّى؛ فيتمنَّى مِثْلَ مُلْكِ مَلِكٍ كانَ يَعْرِفُهُ في الدُّنيا، فيعطيه الله مِثْلَ الدُّنيا -

--------------------

(١) قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا۟ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعْجِزَهُۥ مِن شَىْءٍ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا ۝٤٤﴾ [فاطر: ٤٤] .

(٢) انظر: «الحسن البصري» لابن الجوزي: ١٦. (ع) .

(٣) هو الإمام القدوة أبو عمر النخعي الكوفي، كان مخضرماً؛ أدرك الجاهلية والإسلام، روى عن طائفة من الصحابة، توفي سنة (٧٥ هـ) على الأرجح. «سير أعلام النبلاء» (١٣/٤) .

(٤) رواه مسلم (٢٨٠٧) عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت