الصفحة 118 من 173

السَّلام - في مانع الزَّكاة أنَّه يبقى في العَذاب - الموصوف في الحديث -: يوماً كانَ مِقدارُهُ خمسينَ ألف سنةٍ، ثُمَّ يُرى مَصِيرُهُ إلى جنَّةٍ أو إلى نارٍ⁽١⁾. فيا لها بليَّةً ما أعظمها! وكما نَصَّ - عليه السَّلام - أنَّه سألَ أصحابَهُ: «مَنِ المُفْلِسُ عِنْدَكُمْ؟» قالوا: يا رسولَ الله! الذي لا دينارَ له ولا دِرْهَمَ. فأخبرهم - عليه السَّلام -: «أنَّ المفلسَ هُوَ الذي يأتي يومَ القيامة، وله صيامٌ، وصلاةٌ، وصَدقةٌ؛ فيوجدُ قد شَتَمَ هذا، وقتلَ هذا، وظَلَمَ هذا، وأخذَ مالَ هذا، فيَنْتَصِفُونَ مِنْ حسناته حتَّى إذا لم يَبْقَ له حسنةٌ أُخِذَ مِنْ سيئات هؤلاء الذين ظَلَمَ فَرُمِيَتْ عليه، ثُمَّ قُذِفَ به في النَّار»⁽٢⁾. وهذا معنى قوله - تعالى -: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ ۖ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ ۝١٣﴾ [العنكبوت: ١٣] ، فيبقى هؤلاء في النَّار على قَدْرِ ما أسلفوا، حتَّى إذا بَقُوا - كما⁽٣⁾ جاء في الحديث الصَّحيح - جاءت الشَّفاعة التي ادَّخرها الله لنبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجاءتِ الرَّحمةُ التي ادَّخرها الله لذلك اليوم الفظيع، والموقف الشَّنيع، وأخرجوا - كلُّهم - من النَّار فَوْجاً بعدَ فوجٍ، بعد ما امْتُحِشُوا وصاروا حُمَماً⁽٤⁾.

والله! - أيُّها الإخوة - لولا أنَّ عذابَ الله لا يُهَوَّنُ منه شيءٌ، ولا يتمناه عاقلٌ لتمنَّيْتُ أن أكونَ مِنْ هؤلاء خوفاً من خاتمةِ سوءٍ، وأعوذُ بالله مِمَّا يوجبُ الخلودَ، ويقتضي جوابه - تعالى - إذ يقول: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] ، ولكن يمنعني مِنْ ذلك الرجاءُ في عظيم عفوه - عزَّ وجلَّ -، وأنَّ النَّفس لا تساعد على أن تَعُدَّ شيئاً من عذاب الله خفيفاً ولو نظرةً إلى النَّار، أعاذنا الله منها، فوالله! إنَّ أحدنا لَيَسْتَشْنِعُ موقفَ جِنَايته⁽٥⁾ أو موقف قِصاصه بين يدي مخلوقٍ ضعيفٍ؛ فكيف بين يدي

--------------------

(١) كما في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -؛ عند مسلم (٩٨٧) .

(٢) رواه مسلم (٢٥٨١) عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، بنحوه.

(٣) ص: (كذا) .

(٤) تفصيل هذا في حديث أبي سعيد، وأبي هريرة في «الصحيحين» ، وقد تقدم تخريجهما.

(٥) (جنايته) في الأصل: (جا) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت