وهَوْلٍ عظيمٍ، إلا أنَّ العاقبةَ إلى سلامةٍ، وهي⁽١⁾ حالُ امرىءٍ مسلم تساوتْ حسناته وكبائره، فلم تَفْضُلْ له حسنةٌ يَسْتَحِقُّ بها الرَّحْمةَ، ولا فَضَلَتْ له سَيِّئَةٌ يَسْتَحِقُّ [بها العذابَ] . وقد وصف الله صفة هؤلاء في الأعراف، فقال - تعالى - بعد أن ذكر مخاطبة أهل الجنَّة لأهل النَّار: ﴿فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: ٤٤] ، ثُمَّ قال بعد ءاية: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ٤٦ وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ٤٧﴾ [الأعراف: ٤٦ - ٤٧] .
فهذه الوَقْفَةُ لا يَعْدِلُ هَمَّها والإشفاقَ منها سرورُ الدُّنيا كلُّه، ولكنَّهم ناجون من النَّار داخلون الجنَّةَ، لأنَّه لا دارَ سواهما، فمن نجا مِنَ النَّار فلا بدَّ له من الجنَّة⁽٢⁾، وليتنا نكونُ من هذه الصِّفَةِ، فوالله! إنَّها لَمِنْ أبعد⁽٣⁾ ءامالي التي لا أدري كيفَ التَّوَصُّلُ إليها إلا برحمة الله، وأمَّا بعملٍ أعلمه مِنِّي؛ فلا!
ثُمَّ مرتبة تاسعة: وهي مرتبة نَشْبَةٍ⁽٤⁾ ومحنةٍ، وبَلِيَّةٍ وَوَرْطَةٍ، ومُصيبةٍ وداهيةٍ، نعوذُ بالله منها، وإنْ كانَتِ العاقبةُ إلى عَفْوٍ وإقالةٍ وخَيْرٍ، وهي حالُ امرىءٍ مسلم خَفَّتْ موازينُهُ ورَجَحَتْ كبائره على حسناته، فهؤلاء الذين وُصِفوا في الأحاديث الصِّحاح: أنَّ منهم مَنْ تأخذه النَّار إلى أنصاف ساقَيْهِ، ومِنهم مَنْ يبقى فيها ما شاء الله مِنَ الدُّهور⁽٥⁾، كما وصف النبيُّ - عليه
--------------------
(١) ص: (إن) .
(٢) ما ذهب إليه المصنِّف - هنا - هو أصحُّ الأقوال في أصحاب الأعراف، قال ابن كثير في «تفسيره» : «واختلفت عبارات المفسِّرين في أصحاب الأعراف مَنْ هم؟ وكلُّها قريبة، ترجع إلى معنى واحد، وهو: أنَّهم قومٌ استوت حسناتهم وسيئاتهم، نصَّ عليه: حذيفة، وابن عباس، وابن مسعود، وغير واحد من السلف والخلف رحمهم الله». وذكره ابن تيمية في «المجموع» ١٧٧/١٦.
(٣) ص: (بعد) .
(٤) ص: (تشبه) .
(٥) فيه: حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - الطويل في الرؤية والشفاعة، أخرجه البخاريُّ (٤٥٨١) ، (٤٩١٩) ، (٧٤٤٠) ، ومسلم (١٨٣) ، وحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أخرجه البخاري (٨٠٦) ، (٦٥٧٤) ، ومسلم (١٨٢) .