فَيَحْكُونَ عن رجلٍ أنَّه وجدَ ابنته قد غَرَسَتْ داليةً⁽١⁾ فَقَلَعَها وقالَ: إنَّا لم نُبْعَثْ لغَرْسِ الدَّوالي. فاعلموا أنَّ هذا الرَّجُلَ جاهلٌ، سخيفُ العَقْلِ، مُخالفٌ لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ⁽٢⁾، مُهْلِكٌ للحَرْثِ، مُفْسِدٌ في الأرضِ⁽٣⁾.
فهذه مرتبةٌ رابعةٌ، وهي دون المراتب الثَّلاثِ الأُوَلِ.
ثُمَّ مرتبةٌ خامسة: وهي مرتبة الفَوْزِ والنَّجاةِ، وهي حالةُ إنسانٍ مسلمٍ
--------------------
(١) ضَرْب من العنب بالطائف أسود يضرب إلى الحُمْرة.
(٢) للحديث المتقدِّم، ولأحاديث أخرى كثيرة فيها الحضُّ على استثمار الأرض وزرعها، ومنها: حديث أنس - رضي الله عنه -؛ قال: قال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ؛ فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا؛ فَلْيَفْعَلْ» . رواه أحمد (١٢٩٠٢، ١٩٨١) ، والبخاري في «الأدب المفرد» (٤٧٩) ؛ بإسنادٍ صحيحٍ. وقال ابن حزم في «المحلى» (١٣٢٨) : «الإكثار من الزَّرع والغرس حسنٌ وأجرٌ، ما لم يشغل ذلك عن الجهاد - وسواء كان كلُّ ذلك في أرض العرب، أو الأرض التي أسلم أهلها عليها، أو أرض الصُّلح، أو أرض العَنْوَة المقسومة على أهلها، أو الموقوفة بطيب الأنفس لمصالح المسلمين» . وردَّ على من كره ذلك في أرض العرب مستدلاً بحديث أبي أمامة الباهلي: أنَّه رأى سِكَّةً، وشيئاً من ءالة الحرث، فقال: سمعتُ رسولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «لا يَدْخُلُ هذا بَيْتَ قَوْمٍ إلا دَخَلَهُ الذُّلُّ» . رواه البخاريُّ (٢٣٣٢١) ؛ فقال: «وهذا الخبر عموم كما ترى، لم يخصَّ به غير أهل بلاد العرب من أهل بلاد العرب، وكلامه - عليه السَّلام - لا يتناقض، فصحَّ أنَّ الزَّرع المذموم الذي يدخل الله - تعالى - على أهله الذُّلَّ هو ما تُشْوِغِلَ به عن الجهاد، وهو غير الزَّرع الذي يؤجر صاحبه، وكلُّ ذلك حَسَنُه ومذمومه سواء - كان في أرض العرب، أو في أرض العجم - إذ السُّنَن في ذلك على عمومها» . وللعلامة الألباني - رحمه الله - في: «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (رقم: ٧ - ١٣) ، بحث مفيد في ذكر هذا الحديث وغيره في الترغيب في الزَّرع، وبيان عدم التعارض بينها وبين الأحاديث التي تنهى عن التكالب على الدُّنيا، والانشغال بالحرث والزَّرع عن القيام بالواجبات الدينية.
(٣) ولا يكون مثله في الغالب إلا صوفياً يتنسَّكُ نسكاً أعجمياً، وبمثل هذه العقلية التَّواكلية الفاسدة البعيدة عن العقيدة الصحيحة، والمنهج النبوي؛ تخلَّف المسلمون في ميادين النهوض المدني والعمراني، إذ أن مفاسد العقائد المنحرفة من أشعرية وصوفية ومذهبية، وغيرها مما ابتليت بها الأمة؛ لا تقف في حدود الدين والاعتقاد، بل جنايتها على الدين والدنيا على حدٍّ سواء.