الصفحة 114 من 173

صلاةٍ ولا صيامٍ، ولكنّي أحبُّ اللَّهَ ورسولَهُ. فقالَ له: «أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ»⁽١⁾ أو كما قالَ - عليه السَّلام -.

وبعدَ هذه المرتبةِ مرتبةٌ رابعةٌ، هي مرتبةُ الحَظْوَةِ والقُرْبَةِ، وهي حالةُ إنسانٍ مسلمٍ فتحَ الله له باباً مِنْ أبوابِ البِرِّ مُضافاً إلى أداءِ فرائضِه، إمَّا في كثرةِ الصِّيامِ، أو كثرةِ صَدَقَةٍ، أو كثرةِ صَلاةٍ، أو كثرةِ حَجٍّ وعُمْرَةٍ، وما أشبهَ ذلك، فهذا له نوافلُ عظيمةٌ، وخَيْرٌ كثيرٌ، إلا أنَّه ليسَ له إلا ما عملَ، وصَحِيفَتُه تُطْوىٰ بموتِه، حاشا من حَبَسَ أرضاً أو أصلاً تجري صدقته بعده، كما اختار النبيُّ لعمرَ - رضي الله عنه - إذْ شاوَرَهُ فيما يَعْمَلُ في أرضه بخَيْبَرَ⁽٢⁾. فإنَّ هذا - أيضاً - تَلْحَقُه الحسناتُ بعد موته ما دامَتِ الصَّدقةُ.

ولقد سمعتُ أبا عليٍّ الحسينَ بن سَلْمُونَ المَسِيليَّ⁽٣⁾ يقولُ كلاماً استَحْسَنْتُه، وهو أنَّه قالَ لي يوماً: مَنْ كَثُرَتْ ذُنُوبُهُ فعلَيْهِ بكَسْبِ الضِّياعِ. ولَعَمْري! لقد قالَ الحقَّ، فإنَّ الضَّيْعةَ إذا كُسِبَتْ مِنْ حِلٍّ ومن أرضٍ مباحٍ اكتسابُها، فقد نَصَّ النبيُّ أنَّ كلَّ مَنْ أكلَ مِنْ غَرْسِ مسلمٍ أو مِنْ زَرْعِه فهو له صَدَقَةٌ⁽٤⁾. وإذا اكْتُسِبَتْ من غيرِ وَجْهِ مَرْضِيٍّ؛ فهي غُلٌّ وثِقْلٌ على مَنِ اكتسبها.

فاعتمدوا على نَصِّ ما نَصَّ⁽٥⁾ لكم نبيُّكم - عليه السَّلام -، ودَعُوا كلامَ الفُسَّاقِ مِنْ⁽٦⁾ أهل الجهل الذين يُفْسِدُونَ في الأرض أكثر مِمَّا يُصْلِحُونَ؛

--------------------

(١) رواه البخاريُّ (٧١٥٣) ، ومسلم (٢٦٣٩) من حديث: أنس بن مالكٍ - رضي الله عنه -.

(٢) تقدَّم ص ٩٣ (هامش: ١) .

(٣) الحسين بن محمد بن سلمون المسيلي: كان أحد الفقهاء المشاورين في عهد سليمان بن الحكم، وكان حسن التفقُّه، وقد نوظر عليه في المسائل، وكان لا يُحسن سواها. وكان عفيفاً متواضعاً. توفي سنة: (٤٣١هـ) رحمه الله تعالى. ابن بشكوال: «الصِّلة» ٣/ (٣٣٥) .

(٤) تقدَّم نصُّ الحديث وتخريجه ص: ٩٢، والتعليق (٢) .

(٥) ص: (حض ما حض) . ولعل الصَّواب ما أثبتُّه.

(٦) ص: (عن) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت