يَدْعُو لَهُ، وَصَدَقَةٌ جَارِيَةٌ، وَعِلْماً يُنْتَفَعُ بِهِ»⁽١⁾. وقَوْلُه: «مَنْ عَمِلَ في الإِسلامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بها بَعْدَهُ؛ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بها، ولا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، ومَنْ سَنَّ في الإِسلامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بها بَعْدَهُ؛ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بها، ولا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ» ⁽٢⁾، ويُؤَيِّدُ هذا قولُ الله - عزَّ وجلَّ -: ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] ، وقوله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] .
فأسأل الله - أيُّها الإخوة! - أن يجعلنا وإيَّاكم مِنْ أهل الصِّفة الأولى، وأن يُعيذنا مِنَ الثَّانية. فَبَشِّروا مَنْ سَنَّ القَبالاتِ والمُكُوسَ⁽٣⁾، ووجوهَ الظُّلم؛ بأخزى الجزاء، وأعظم البَوار في الآخرة، إذ سَيِّئاتُهم تتزايدُ على مرور الأيَّام واللَّيالي، والبلايا تَتَرادَفُ عليهم وهُمْ في قُبورهم؛ لقد كانَ أحظى⁽٤⁾ لهم لو لم يكونوا خلقوا من الإنس.
واعْلَموا أنَّه لولا العلماءُ الذين يَنْقُلونَ العِلْمَ ويعلِّمونَهُ النَّاسَ جيلاً بعد جيل؛ لهلكَ الإسلامُ جملةً، فتدبَّروا هذا، وقِفُوا عنده، وتفكَّروا فيه نِعِمَّا! ولذلكَ سُمُّوا: «وَرَثَةَ الأنبياء» ⁽٥⁾.
فهذه مَرْتَبَةٌ.
--------------------
(١) رواه مسلم (١٦٣١) من حديث: أبي هريرة - رضي الله عنه -.
(٢) رواه مسلم (١٠١٧) من حديث: جرير بن عبد الله - رضي الله عنه -. وأوله: «مَنْ سَنَّ في الإسلام....» ، والباقي سواء.
(٣) القبالات: جمع القَبَالَة؛ مصدرٌ واسمٌ مِن تقبُّل العمل لما يلتزمه الإنسان من عمل ودَيْن وغير ذلك، وقال الزمخشريُّ: كل من تقبَّل بشيءٍ مقاطعةً وكتب عليه بذلك كتاباً؛ فالكتاب الذي يُكتَب هو القَبَالَة بالفتح، والعمل قِبَالَة بالكسر، لأنه صناعتهُ. والمقصود هنا: إلزام العُمَّال بدفع خراجٍ أو جباية ظلماً. و (المكوس) جمع مكس: وهو الضَّريبةُ يأخذها المُكَّاسُ مِمَّن يدخل البَلَدَ من التُّجار.
(٤) ص: (أحضا) .
(٥) وهذا اللَّقَبُ الجليلُ، والشَّرَفُ العظيمُ؛ قد نَصَّ عليه النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديث؛ رواه الدارمي (٣٤٢) ، وأبو داود (٣٦٤١) ، والترمذي (٢٦٨٢) ، وابن ماجة (٢٢٣) عن أبي الدرداء - رضي الله عنه -، وحسَّنه الألبانيُّ في «صحيح الترغيب والترهيب» (٦٨) .