والثانية: حَكَمٌ عَدْلٌ، فإنه شَرِيكٌ لرعيَّتِهِ في كلِّ عَمَلٍ خيرٍ عملوه في ظلِّ عَدْلِهِ، وأمْنِ سُلْطانه؛ بالحقِّ لا بالعُدْوان، وله مِثْلُ أجرِ كلِّ مَنْ عملَ سنَّةً حسنةً سَنَّها. فيا لها مرتبةً ما أسناها؛ أن يكونَ ساهياً لاهياً وتُكْسَبُ له الحسناتُ، وأين هذه الصِّفة؟ وأمَّا الغاشُّ لرعيَّتِهِ، والمداهنُ في الحقِّ؛ فهو ضِدُّ ما ذكرنا، ويؤيد هذا قوله - عليه السَّلام -: «إنَّ المُقْسِطِينَ فِيمَا وَلُوا على مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ على يَمِينِ الرَّحْمَنِ»، أو كلاماً هذا معناه⁽١⁾.
فهذه ثانيةٌ.
وأما الثَّالثة: مجاهدٌ في سبيل الله - عزَّ وجلَّ -، فإنه شريكٌ لكلِّ مَنْ يَحْمِيهِ بسَيْفِهِ في كلِّ عملِ خيرٍ يعمله، وإنْ بَعُدَتْ داره في أقطار البلاد، وله مِثْلُ أجرِ مَنْ عمل شيئاً مِنَ الخير في كلِّ بلدٍ أعانَ على فَتْحِهِ بقتالٍ أو
--------------------
(١) رواه مسلم (١٨٢٧) عن عبد الله بن عَمْرو، قالَ: قالَ رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ الله عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ - عَزَّ وَجَلَّ -، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا». المقسطون: هم العادلون، والإقساط والقِسْط: العدل، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢] . والمنابر: جمع منبر، سُمِّي به لارتفاعه. ووَلُوا: أي كانت لهم عليه ولاية. وفي الحديث: إثباتُ صِفَةِ اليَدَيْنِ لله - سبحانه -، والأدلة على هذا من الكتاب والسنة كثيرة، كقوله - تعالى -: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] ، وقوله - عزَّ شأنه -: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤] . ومذهب السَّلف والأئمة، أهل السنة والحديث، في هذه الصفة وغيرها من صفات الله العليا، وكذلك في أسمائه الحسنى؛ إثباتُها كما جاءت في نصوص الكتاب والسنة؛ على وجه الحقيقة المقتضية للعلم القطعي بوجودها، والإيمانُ بها على ظاهرها؛ من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تكييف، ومن غير تأويل ولا تعطيل، وتفويضُ العلم بكيفيتها إلى الله - تعالى -، فهذا ممَّا لا يجوز الخوض فيه لعجز عقولنا عن إدراكه، ولأن صفاتِ ربِّنا - سبحانه - تليق بكماله وجلاله وعظمته: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ١١﴾ [الشورى: ١١] . ومعرفة الحقِّ والصَّواب في هذه المسألة؛ مسألة الأسماء والصِّفات، وهي ركن من أركان التوحيد؛ تجدها في كتب العقيدة السلفية، خاصَّة في كتب شيخ الإسلام ابن تيمية النُّميري، وتلميذه: ابن قيم الجوزية - رحمهما الله تعالى -.