٢ - وسألتم عن العمل الذي إذا قَطَعَ المرءُ به باقي عُمُرِهِ رَجَوْتُ له الفوزَ عند الله - عزَّ وجلَّ -، وأيقنتُ له به، وعن السِّيرة التي أختارُها وأحسدُ عليها مَنْ أعطِيَها؛ من أبواب التَّخَلُّصِ من سَخَطِ الله في القول والعمل.
وهاتان مسألتان وإن كنتم فرَّقتم بينهما فهي واحدةٌ، فأقولُ - وبالله [تعالى] التَّوفيق -:
إنِّي قد أدَمْتُ البحثَ عمَّا سألتم عنه مدى دهرٍ طويلٍ، وفتَّشْتُ عنه القرءان والحديثَ الصَّحيحَ، فلاحَ لي بعد طلبٍ كثيرٍ، وتحصَّلَ لي بعد طلبٍ شديدٍ ما أخاطبكم به، أسأل الله - تعالى - أن يوفِّقنا وإياكم لطاعته، ءامين!
وقد كنتُ جمعتُ في هذا فَصْلاً نَسَخْتُه لكم على هيئته، وهو: أنَّي فتَّشْتُ على مراتب الحقائق في دار القرار في الآخرة - وأمَّا الدُّنيا فمَحَلُّ مَبِيتٍ بُؤْسُها مُنْقَضٍ، وسُرُورها مَنْسِيٌّ كأنَّ ذلك لم يَكُنْ - فوجدْتُها عشرَ مراتبَ، منها ثلاثٌ هي مراتبُ المُلْكِ، والعُلُوِّ، والسَّبْقِ.
فأوَّلها: مرتبةُ عالمٍ يعلِّم النَّاسَ دينهم، فإنَّ كلَّ مَنْ عَمِلَ بتعليمه أو عَلَّمَ شيئاً ممَّا كان هو السَّبب في عِلْمه؛ فذلك العالمُ والمتعلِّمُ شريكٌ له في الأجر إلى يوم القيامة على ءاباد الدُّهور. فيا لها منزلةً ما أرفَعَها؛ أن يكونَ المرءُ أشلاءً مُتَمَزِّعَةً في قبره أو مُشْتَغِلاً في أمور دنياه؛ وصُحُفُ حسناتِهِ متزايدةٌ، وأعمالُ الخير مهداةٌ إليه مِنْ حيثُ لا يحتسبُ، ومواترةٌ عليه من حيث لم يُقَدَّرْ. ويؤيِّد هذا قوله - عليه السَّلام -: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْراً يُفَقِّهْهُ في الدِّين» ⁽١⁾ وقوله لِعَلِيٍّ: «فَوَاللهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَم» ⁽٢⁾ وقوله - عليه السَّلام -: «إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثَةٍ» ، فذكر - عليه السَّلام -: «ولداً صَالِحاً
--------------------
(١) رواه البخاريُّ (٧١) ، ومسلم (١٠٣٧) من حديث معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه -.
(٢) رواه البخاريُّ (٢٩٤٢) ، ومسلم (٢٤٠٦) من حديث سهل بن سعد - رضي الله عنه -.