والثانية: مَنْ أكثرَ مِنَ الكبائرِ، ثُمَّ مَنَحَهُ الله التَّوبة النَّصُوحَ على حَقِّها
--------------------
= وقال الإمام الشوكاني - رحمه الله - في «إرشاد الفحول» ص ٩٨: وقد قيل: إنَّ
الإصرارَ على الصَّغيرة حُكْمُهُ حكمُ مرتكب الكبيرة. وليس على هذا دليلٌ يصلحُ
للتمسُّك به، وإنَّما هي مقالةٌ لبعض الصُّوفية، فإنَّه قال: لا صغيرة مع إصرار. وقد
روى بعضُ مَن لا يَعرف علمَ الرِّواية هذا اللفظَ وجعلَهُ حديثاً، ولا يَصِحُّ ذلك، بل
الحقُّ أنَّ الإصرارَ حُكمه حُكْمُ ما أصرَّ عليه: فالإصرارُ على الصَّغيرةِ صغيرةٌ،
والإصرارُ على الكبيرةِ كبيرةٌ.
قلت: كأنَّ الشوكانيَّ - رحمه الله - لم يستحضر الأثر عن ابن عبَّاس، مع أنَّه أورده في
تفسيره «فتح القدير» ، نعم؛ المرفوع لا يصحُّ، أخرجه القضاعي في «مسند الشهاب»
(٨٥٣) ، وقال الذَّهبيُّ: خبرٌ منكرٌ. الثانية: مبالغة ابن حزم في غفران الصغائر ولو كانت ملء الأرض؛ قد يرد عليها الأحاديث الصحيحة في التحذير من محقَّرات الذُّنوب، كقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّما مَثَلُ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ كَقَوْمٍ نَزَلُوا بَطْنَ وَادٍ، فَجَاءَ ذَا بِعُودٍ، وَجَاءَ ذَا بِعُودٍ، حَتَّى أنْضَجُوا خُبْزَتَهُمْ، وَإِنَّ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ مَتَى يُؤْخَذْ بِهَا صَاحِبُهَا تُهْلِكْهُ». رواه أحمد ٣٣١/٥ (٢٢٨٠٨) بإسنادٍ صحيح. والجواب أن يقال: ليس في الحديث أن تلك الذُّنوب من الصَّغائر، بل يفهم منه أن مرتكبها هو الذي يحتقرها، ولا يبالي بها، كما قال أنس - رضي الله عنه -: إِنَّكُم لَتَعْمَلُونَ أعمالاً هي أدَقُّ في أعْيُنِكُم مِنَ الشَّعَرِ؛ إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّهَا على عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمُوبِقَاتِ. رواه البخاري (باب: ما يُتَّقى من محقَّرات الذنوب، ٦٤٩٢)، وقال: «يعني بذلك المُهْلِكَاتِ» . ولا شكَّ أن مراتب الأعمال لا تتغيَّر - شرعاً - بتغيُّر العصور، إنما تتغيَّر معرفة الناس بها، وتقديرهم لها، فلا يستهينَنَّ أحد بمعصيةٍ يظنها صغيرة (حقيرة) وهي عند الله - تعالى - عظيمة. هذا أولاً. وثانياً: يمكن حمل الحديث على من أكثر من الصغائر مع الاستخفاف والاستهانة، وقصَّر في حقوق الفرائض؛ كالشروط والأركان والواجبات، فغلبت سيئاته على حسناته، قال ابن القيم - رحمه الله - في «الجواب الكافي» في الأعمال الماحية للذنوب: وهذه الأعمال المكفِّرة لها ثلاث درجات: أحدها: أن تقصر عن تكفير الصَّغائر لضعفها، وضعف الإخلاص فيها، والقيام بحقوقها، بمنزلة الدَّواء الضَّعيف الَّذي ينقص عن مقاومة الدَّاء؛ كمِّيَّةً وكيفيَّةً. الثَّانية: أن تقاوم الصَّغائر، ولا ترتقي إلى تكفير شيءٍ مِنَ الكبائر. الثَّالثة: أن تقوى على تكفير الصَّغائر، وتبقى فيها قوَّةٌ تكفِّر بها بعضَ الكبائر. فتأمَّل هذا فإنَّه يُزيل عنك إشكالاتٍ كثيرة».=