الصفحة 106 من 173

أنه - تعالىٰ - غَفَرَ الصَّغائرَ باجتناب الكبائر فلو أنَّ امرءاً وافى عَرْصَةَ القيامةِ بِمِلْءِ الأرض صغائرَ إلا أنَّه لم يأتِ كبيرةً، أو أتاها ثم تاب منها؛ لَمَا طالبه الله بشيءٍ منها، وقالَ - تعالىٰ -: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا ۝٣١﴾ [النساء: ٣١] ⁽١⁾.

--------------------

(١) أخذ المصنِّف بظاهر الآية في أن اجتناب الكبائر تكفِّر الذنوب الصغائر مطلقاً، وهو الصَّواب الذي ذكره أئمة التَّفسير، ويفهم منه اشتراط إقامة الفرائض؛ كالصلاة والصوم ونحوهما، فإن تركها من الكبائر. وهاهنا ثلاث مسائل لا بدَّ من الإشارة إليها: الأولى: قد صحَّ أنَّ رجلاً قال لابن عبَّاس - رضي الله عنهما - كم الكبائر؟ أسبعٌ هي؟ قال: إلى سبع مئة أقرب منها إلى سبع، غير أنَّه لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار. رواه الطَّبري في «تفسيره» (٩٢٠٨) ، وصحَّح إسناده ابن مفلح في «الآداب الشرعية» ١٨٤/١. وهذا يدلُّ على أنَّ الإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرةً، وينتج عن هذا حصر الصغيرة في دائرة ضيقة جداً؛ لا تتناسب وواقع الطَّبيعة الإنسانية. والجواب أن يقال: إن هذا مخالف لظاهر الآية، وظاهر الأحاديث الصحيحة التي دلت على تكفير الخطايا بأداء الفرائض واجتناب الكبائر، لهذا ذهب العلامة ابن مفلح إلى أنَّ الصَّغائر لا تقدحُ في العدالة لوقوعها مكفِّرةً شيئاً فشيئاً. وقال: وقد اعترف ابن عقيل بصحَّة هذا، وأنَّه لولا الإجماع لقلنا به. كذا قال؛ وأين الإجماع المخالف لهذا بل هذا مقتضى ما سبق عن أصحابنا (يعني: الحنابلة) ، ومقتضى الإجماع السابق لظاهر الكتاب والسنة، وهو متوجِّهٌ كما ترى (الآداب الشرعية: ١٨٤/١). ثمَّ أورد أثر ابن عباس، وقال: فإن قلنا: قول الصَّحابة حجَّةٌ؛ صارت الصغيرة بإدمانها كالكبيرة، وإن لم نقل بذلك فالعمل لا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار، صارت الصغيرة بإدمانها كالكبيرة، وإن لم يتب فالعمل بظاهر القول السابق، وظاهر الأدلة أولى. قلت: هذا الكلام فيه خلل ظاهر، وقد ورد هكذا في طبعة مؤسسة الرسالة ١٤١٨هـ، وفي طبعة عالم الكتب، بيروت ١٢٨/١، وفيها: (نقل كذلك) و(لم يثبت). ولا أدري كيف مرَّ المحققون على هذا الموضع من الكتاب دون تحرير نصِّه، على أنه ليس الموضع الوحيد! ولعل مقصود ابن مفلح: أن كلام ابن عباس إمَّا أن يقبل، وإمَّا أن يحمل على مدمن الصغيرة الذي لم يتب منها، وإلا فالعمل بظاهر القول السابق وظاهر الأدلة أولى. ويظهر لي - والله أعلم - أن كلام ابن عباس خرج مخرج الترهيب؛ إذ خشي في السائل الجراءة على المعاصي، فليُتأمَّل هذا.=

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت