وَمَنْ لم يفعلْ ما أُمِرَ به وفعل غير ما أمر به لم يُقْبَلْ منه، قالَ - عليه السَّلام -: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» ⁽١⁾ وكإنسانٍ صامَ رمضانَ في الحَضَرِ تطوُّعاً لا بنيَّةِ الفَرْضِ، فهذا لا يُقْبَلُ منه. وأمَّا مَنْ عليه مِنَ الفَرْضِ أو سَلَفَتْ عليه فُروضٌ قَدْ عطَّلها⁽٢⁾؛ فَيُسْتَحَبُّ له التَّطَوُّعُ ما أمكنه⁽٣⁾، كما روينا في الحديث - المأثور ءانفاً - مِنْ جَبْرِ الفَرْضِ بالتَّطوُّعِ.
واعلموا - رحمنا الله وإياكم - أنَّ الله - عزَّ وجلَّ - ابتدأنا بمواهبَ خَمْسٍ جليلةٍ، لا يَهْلِكُ على الله بَعْدَهُنَّ إلا هالكٌ، وهي:
--------------------
= بابتداء التكبير في صلاة الصبح كما هو. فإذا أتمَّ صلاة الصبح فإن شاءَ رَكَعَهُمَا،
وإن شاء لم يركعهما. وهكذا يفعل كلُّ مَن دخلَ في نافلةٍ وأقيمت عليه صلاةُ
الفريضة». ثمَّ ذكر مذاهب الأئمة في المسألة، واستدلَّ على صحَّة قوله بما رواه من
طريق أبي داود [في «السُّنن» (١٢٦٦) ، وهو في «صحيح مسلم» (٧١٠) ] عن أبي
هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا المَكْتُوبَةُ» . ثمَّ ذكر
أدلةً أخرى، وقال: «وبما قلناه يقول جمهورٌ مِنَ السَّلَف» ؛ وذكر الآثار عنهم في
ذلك.
(١) هو من حديث عائشة - رضي الله عنه -؛ رواه مسلم (١٧١٨) بهذا اللَّفظ، ورواه هو والبخاريُّ (٢٦٩٧) بلفظ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ» . قال الإمام النَّوَوِيُّ - رحمه الله -: قال أهلُ العربيَّةِ: ( الرَّدُّ) هنا بمعنى: المردود، ومعناه: فهو باطلٌ غيرُ مُعْتَدٍّ به. وهذا الحديثُ قاعدةٌ عظيمةٌ من قواعد الإسلام، وهو من جوامع كَلِمِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإنَّه صريحٌ في رَدِّ كُلِّ البِدَعِ والمخترعات. وفي الرِّواية الثانية [يعني لفظ: «من عمل...» ] زيادةٌ، وهي: أنَّه قد يُعَانِدُ بعضُ الفاعلينَ في بدعةٍ سُبِقَ إليها، فإذا احْتُجَّ عليه بالرِّواية الأولى يقولُ: أنا ما أحدثتُ شيئاً! فيُحتجُّ عليه بالثانية التي فيها التَّصريح بردِّ كُلِّ المحدثات، سواء أحدثها الفاعلُ، أو سُبِقَ بإحداثها... وهذا الحديثُ ممَّا ينبغي حفظُه، واستعماله في إبطال المنكرات، وإشاعة الاستدلال به.
(٢) يعني: تركها عامداً من غير عذرٍ شرعيٍّ؛ كالنَّوم أو النِّسيان.
(٣) تقرأ في الأصل: (فَتَسْتَحِبُّ له التَّطَوُّعُ ما أمكنه) . يعني: لا يشرع في حقِّه قضاء ما تركه عمداً، بل تكفيه التَّوبة، ويُستحبُّ له الإكثار من التَّطوع. وشرح هذه المسألة في «المحلَّى بالآثار» (المسألة: ٢٧٩) ، ورسالة «الصَّلاة» للعلامة ابن القيم - رحمه الله -.