إذن الخلاف الذي بين أهل السنة والجماعة وغيرهم يجبُ أن يعلم المسلم أنَّ الحق بيّن ، فالحق هو ما درج عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان ، وهذه الفرق المخالفة معها حق وباطل ، فالواجب نحوها قبول ما معها من الحق ورد ما معها من الباطل، وقد أوضح ذلك العلماء، وهذا من تحقيق العدل والإنصاف أن تعترف لخصمك بما معه من الحق، وأن ترد ما معه من الباطل، فتنصفه حينئذ وألا تظلمه، ولا تحملهُ ما لا يستحق من الذم والبغض فضلًا عن العقاب، فإنَّ العدل واجب في كل الأحوال، فيجب العدل في الحكم بين المسلم والكافر ، وبين السني والمبتدع ، وبين المطيع والعاصي، بقبول الحق ممن أتى به إذا قامت براهينه واتضحت معالمه.
وكما ذكرت أن كل ما خالفت فيه فرق الأهواء أهل السنة والجماعة فقد عُلِم أنه باطل، فإنَّ هذه الفرق توافق أهل السنة في أشياء، فما وافقت فيه أهل السنة فهو حق مقبول ، وما خالفت فيه أهل السنة فهو مردود .
أما الخلاف الذي يكون بين أهل السنة في المسائل العملية فهو جار على ما ذكرت:
إما أن يكون اختلاف تنوع .
أو اختلاف تضاد ، وفي هذه الحال: إما أن يكون المصيب معلومًا لقيام الدليل على صحة قوله .
وإما أن لا يتوفر ذلك، وإذا كان هذا الاختلاف من النوع الذي يتبينُ فيه صواب أحد الفريقين، فإنَّ هذا هو الذي يقولُ فيه أهل العلم: إنَّهُ لا إنكار في مسائل الخلاف، فإنَّ من الخلاف ما يتبينُ فيه خطأ أحد القولين وصواب الآخر، وحينئذٍ ينكرُ الخطأ المخالف للدليل ويرد على صاحبه، وإن كان هو في نفسهِ معذورًا لأن المخالف للدليل والمخالف للحق من المجتهدين، قد يكون له عذر، بل هناك أعذار بيّنها أهل العلم كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه - في رسالته المشهورة: رفع الملام عن الأئمة الأعلام"ذكر أنَّ الإمام قد يخالفُ الدليل إما لكونه لم يبلغه أصلًا"
أو بلغه ولكن لم يثبت عنده، لأنَّه وصل إليه من طريقٍ ضعيف .