الصفحة 27 من 40

وغير ذلك مما يدل على أن طلب الحسن في ذاته لم يكن من الأمور التي تستهجنه الشريعة أو تأباه، بل تطلبه وتحث عليه، وكل ما يُفعل من الزينة والحسن يؤدي إلى التغيير، فالخضاب مثلًا يغير من منظر اليد، والكحل وغيره من المساحيق التي تتزين بها المرأة يغير من شكلها حتى أن كثيرًا من أنواع المساحيق اليوم تعمل على توسيع العين الضيقة وعلى استقامة الأنف المدبب لدرجة لا تُعرف المرأة بعدها إلا بالشبه، وما تلون به المرأة شعرها كذلك، وليس كل تغييرٍ منهيًا عنه، يقول الإمام النفراوي [1] يرحمه الله:

(ولا مانع من تأويل المحتمل عند وجوب العارض، ولا يقال: فيه تغيير لخلق الله؛ لأنا نقول: ليس كل تغييرٍ منهيًا عنه، ألا ترى أن خصال الفطرة كالختان، وقص الأظفار، والشعر، وغيرها من خصاء مباح الأكل من الحيوان، وغير ذلك جائزة ) ) [2] .

فإذًا لمَ اختص هذا النوع من التغيير الذي يحدثه التحسين بالنهي؟ لابد له من عله تبرره.

يقول الإمام ابن الجوزي [3] يرحمه الله مبينًا علة النهي في هذه الأحاديث ونحوها مما هو في معناها:

(إما أن يكون ذلك قد كان شعار الفاجرات، فيكنَّ المقصودات به، أو أن يكون مفعولًا للتدليس على الرجل، فهذا لا يجوز، أو أن يكون يتضمن تغيير خلق الله كالوشم الذي يؤذي اليد ويؤلمها ولا يكاد يستحسن، وربما أثر القشر في الجلد تحسنًا في العاجل، ثم يتأذى به الجلد فيما بعد) [4] .

(1) أحمد بن غنيم بن سالم النفراوي، من فقهاء المالكية، شارك في كثير من العلوم، وتوفى سنة (1125هـ) .

(انظر: معجم المؤلفين، عمر كحالة، 1/ 40) .

(2) الفواكه الدواني، النفراوي، 2/ 411.

(3) أبو الفرج عبدالرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي الحنبلي، الحافظ، الواعظ، علامة عصره في التاريخ، والحديث، مولده ووفاته ببغداد، وتوفى سنة (597هـ) .

(انظر: البداية والنهاية، ابن كثير، 13/ 28؛ شذرات الذهب، ابن العماد الحنبلي، 4/ 329؛ دائرة المعارف الإسلامية، 1/ 125) .

(4) أحكام النساء، ص 230؛ انظر أيضًا: الفروع، ابن مفلح، 1/ 135.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت