وثالثا: أن الغاية من حرب الإسلام هي أن يتمكن المسلمون من إقامة شعائر الدين بكل حرية، ويأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر.
ومعنى ذلك أن يتحقق وجود العالم الأفضل الذي أراده الله لعباده، وتنتفي الرذائل والشرور من هذه الأرض.
وبما أن الحروب -كما تقدّم- تستلزم أسر المقاتلين من صفوف العدو وعند الانتصار عليه، وهؤلاء الأسرى في كل الأمم كانوا يفقدون حريتهم بمجرد وقوعهم في الأسر، ويصبحون أرقّاء يباعون ويشترون كما تباع وتشترى الأشياء التي لا حرج في تملكها - فإن الإسلام اعتبر هذه الحالة ضرورة وقتية تزول بزوال أسبابها وبواعثها.
ولذلك كان موقفه من استرقاق أسرى الحرب موقفًا فيه كثير من التحفظ لم يدرك أسراره الكثير من الباحثين.
فهو قد أذن في استرقاق هؤلاء الأسرى -ولم يوجبه قط- معاملة للعدو بمثل معاملته؛ إذ لا يعقل أن يسترق هو أسرى المسلمين ويطلق المسلمون أسراه.
وحيث إنه لم تكن هناك قوانين عامة تحمي أسرى الحرب من الاسترقاق، فليست هناك وسيلة للضغط على العدو من أجل تحسين معاملتهم بالمثل حتى يمكن تخفيف الوطأة عن الأسرى الذين بيده، وربما يقع تبادل بين الطرفين ينجو به أسراهما معا من الرق والعذاب.
والمعاملة بالمثل عند المسلمين إنما هي في الاسترقاق، أما التنكيل والعذاب اللذان كان الأرقاء يلقونهما عند غير المسلمين مما سبق ذكر بعضه فإن الإسلام يبرأ من ذلك كل البراءة كما أنه لم يكن خلقًا للمسلمين قط، على ما سنبيته فيما بعد.
ثم المعاملة بالمثل بهذا المعنى إنما هي أمر مبدئيٌّ، ولذلك قلنا: إن الإسلام لم يوجب استرقاق أسرى الحرب، فحتى في أسوأ الحالات -من استرقاق العدو بالفعل أسرى المسلمين- يكون للإمام الخيار في أن يقبل الفداء من أسرى العدو أو يمنّ عليهم بإطلاق سراحهم، بدون فداء وهذا ما تصرح به الآية الكريمة في قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) [1] .
وكم وقع في التاريخ الإسلامي من حوادث طبقت فيها هذه الآية على الوجه الذي هو خير كله لأسرى العدو، فصلاح الدين الأيوبي أطلق آلاف الأسرى من الصليبيين الذين هاجموا بلاد الإسلام وكبدوها من الخسائر في النفوس والأموال ما لا يعد ولا يحصى.
(1) سورة: محمد آية: 4.