فلا تطلبنها يا ابن كوز فإنه ... غذا الناس مذ قام النبي الجواريا [1]
بقي الرق الجماعي الناشئ عن اعتبار البلاد المفتوحة ملكا للدولة وأهلها عبيدًا لها. وكلنا يعلم أن شريعة الإسلام بعيدة كل البعد عن هذا الجور وأن فتوحات المسلمين كانت رحمة وخيرًا للبلاد المفتوحة حتى إنها كانت تعتبر بمثابة إنقاذ لأهل هذه البلاد مما كانوا فيه من العسف والظلم.
ولقد قال أهل حمص لجند المسلمين لما ردوا عليهم الجزية التي أخذوها منهم لعجزهم عن الدفاع عنهم:"والله لولايتكم أحب إلينا مما كنا فيه ولندفعن الروم معكم" [2] وحسبنا ما اشتهر من اقتصاص الخليفة عمر بن الخطاب للقبطي من ولد عمرو بن العاص الذي ضربه، وقوله لعمرو."متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟" [3] .
استرقاق أسرى الحرب ضرورة وقتية:
ونعود إلى الكلام على أسرى الحرب واسترقاقهم فنقول:
شرع القتال في الإسلام لحماية الدعوة والدفاع عن أنفس المؤمنين كما جاء في الآية الكريمة: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌالَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) [4]
فهذه الآيات تفيد أولا- أن شرع القتال في الإسلام إنما كان دعوة وحماية للمؤمنين المضطهدين، فهو دفاع لا هجوم ووسيلة لغاية شريفة.
وثانيا: أن القتال من هذا النوع هو من باب ما يقال (القتل أنفى للقتل) فالمراد به: استقرار السلام وضمان الحريات العامة، ألا ترى ما علل به من قوله: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ) الآية.
فالحرب التي يقوم بها المسلمون لحماية دعوتهم تستوجب ظهور الإيمان: ونصرة العقيدة ولو كانت عقيدة غيرهم. وبالفعل: فإن المسلمين كانوا دائما دعاةً للتسامح الديني، وكانت بلادهم موئل الملل والنحل، وكانت بِيَع النصارى وصلوات لليهود في بعض هذه البلاد تكاد تعادل مساجد المسلمين.
(1) انظر الأبيات في ديوان الحماسة وهي لجزء بن كليب الفقعسي.
(2) فتوح البلدان للبلاذري ص 143.
(3) حسن المحاضرة للسيوطي ج2.
(4) سورة: الحج آية: 39 - 41.