الصفحة 7 من 13

هؤلاء الولاة وكتب في ذلك رسائل للسلطان ومنشورات للرأي العام، فما كان من حاكم فاس إلا أن سجنه ثم قتله في سنة 1121هـ.

وفي أواخر القرن الثالث عشر الهجري المنصرم، أي حوالي منتصف القرن التاسع عشر الميلادي حين كانت الصيحات تتعالى في أوربا باستنكار الرق ووجوب إلغائه لأنه كان ما يزال منتشرا فيها بكثرة، كان عالم القرويين الشيخ محمد كنون الكبير لا يفتأ يندد في دروسه بهذا النوع من الاسترقاق، ويؤكد أن المماليك السودانيين أحرار لاشائبة رق فيهم، ويزيد فيصرح بأن من تسرّى بأنثى منهن، على أنها من ملك اليمين فنكاحه فاسد، وأولاده أولاد زنًا، وأنه لا بد من أن يعتقها ويتزوجها بصداق.

وكانت أقواله هذه تصل إلى الأكابر والولاة الذين كانوا يمارسون هذا النوع من الزواج، فلا تعجبهم ونَهَوْه فلم ينته، حتى بلغ الأمر بهم إلى سجنه فقامت فاس كلها في مظاهرة تطالب بإطلاق سراحه، فلم يسع هؤلاء الولاة إلا أن ينزلوا عند الرغبة الجماعية المتحمسة في إطلاق سراح الشيخ.

هذه المواقف وأشباهها من علماء الإسلام لا يجوز أن تقع لما يعلمونه من حرمة الاسترقاق بالاختطاف والقرصنة ووضع اليد على الأحرار الآمنين والتصرف في رقابهم من طرف تجار الرقيق والنخاسين الطامعين الأدنياء.

ولقد كان على عهد الرسول -عليه الصلاة والسلام- في جزيرة العرب أرقاء من هذا القبيل، وهم وإن كانت شبهه أخذهم في حرب تغلب على حالة استرقاقهم بالسرقة والاختطاف - إلا أن الثابت هو أنه -عليه السلام- حرر جميع عبيده وإمائه في حياته، مبادرة منه للعمل بما يأمر به، وعدم اعتداده بتلك الشبهة في استمرار تملكه لهم على أن فيهم من كان أسره في حرب محققًا ومع ذلك فإن العتق شمله، ولم يفرق بينه وبين غيره من مشبوه الرقّ. وكان جملة من أعتقه النبي -صلى الله عليه وسلم- من العبيد والإماء تسعة وثلاثين، العبيد ثلاثون والإماء تسع [1] .

وأما الرق الناشئ من بيع الإنسان من حريته الشخصية، فليس له في الإسلام وجود، ولا في شريعته حكم له على الإطلاق.

وكذلك الرق الناشئ من بيع الآباء لأبنائهم، فإن الإسلام لم يعرفه، وأحكامه العامة تأباه كل الإباء. وحسبنا ما جاء به القرآن من استنكار لعادة الوأد التي كانت شائعة في بعض القبائل العربية، وقوله في ذلك: (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ) [2] واستيصاء النبي -صلى الله عليه وسلم- بالبنات وحضّه على تربيتهن وتكريمهن، حتى نوّه الشاعر الحماسي بذلك وعدّه من الإصلاح الإسلامي الذي جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- وذلك في قوله لمن خطب منه بنتا وهو غير كفء لها:

(1) انظر كتب السيرة في هذا الصدد وطبقات ابن سعد والإصابة وغيرها.

(2) سورة: التكوير آية: 8 - 9.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت