الإسلام والرق:
جاء الإسلام والعالم يرزح تحت نير العبودية والتسخير، فكان دعوة عامة لجميع البشر قوامها التحرُّر وحفظ الكرامة الإنسانية، وقد كان من أول ما دعا إليه: أخوّة الناس بعضهم لبعض، وإهدار الفوارق الجنسية واللونية التي كانت -وما تزال- تُتخذ ذريعة للتمييز العنصري بين الأفراد والجماعات من بني الإنسان، وعلى العكس مما جرى به العرف من أن صاحب أيّ دعوة يدعي لقومه التفوق والظهور على غيرهم، فإن الإسلام لم يجعل للعرب إلا ما جعله لكافة الأمم والشعوب من أن أفضلهم عند الله أتقاهم. فقد جاء في القرآن الكريم (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [1] وفي الحديث الشريف"لا فضل لعربي على عجمي ولا لأحمر على أسود إلا بتقوى الله" [2] .
وقد عمد إلى الرق -وكان منتشرا في جزيرة العرب بنسبة كبيرة- فأبطل منه فعلًا جميع الأنواع التي ذكرناها ما عدا الرق الناشئ عن أسر المقاتلين في ميدان الحروب الذي تحفّظ في إبطاله لضرورة الوقت وإن كان وضع أس إبطاله في المستقبل.
وهكذا ألغى الإسلام الرقَّ الناشئ عن القرصنة والاختطاف. والرق الناشئ عن تجريد الإنسان من حريته الشخصية بسبب استغراق ذمته بدين ... ونحو ذلك.
والرقّ الناشئ عن بيع الأولاد وما معناه. والرق الجماعي الناشئ على السيطرة والاستيلاء على بلاد العدو. فلم يبق على شيء من ذلك وحرّمه تحريمًا باتًّا، بحيث لا يستطيع أحد أن يأتي بنص أو تشريع إسلامي يبيح نوعًا من هذه الأنواع من الرقّ والقرصنة والاختطاف.
وإن كانت العادة قد تغلبت على القانون بسبب العدوى وسريانها من الأمم والشعوب الأجنبية إلى المسلمين، فإن علماء الإسلام ما زالت أصواتهم مرتفعة مجلجلة في كل عصر وجيل باستنكاره وتحريمه، حتى إن أحدهم وهو الشهيد الشيخ عبد السلام بسوس ذهب ضحية انتصاره لحرية العبيد المحررين وأولادهم الذين أراد السلطان مولاي إسماعيل العلوي أن يؤلف منهم جيشًا خاصًّا على سبيل الإجبار باعتبار سبق تملك الدولة لهم على عهد الملوك السعديين حين افتتاحهم لقطر السودان في القرن العاشر الهجري (الخامس عشر الميلادي) .
وكان الولاة المكلفون بذلك قد انطلقت أيديهم في كل ذي بشرة سوداء سواء كان من بقايا السودانيين المجلوبين عند الفتح المذكورين أو من أرقاء المختطفين، فقام الشيخ المذكور بحملة شديدة على
(1) سورة: الحجرات آية: 13.
(2) الترغيب والترهيب للمنذري.