وفي عصر الخليفة يعقوب المنصور الموحدي في المغرب العربي أطلق من أسرى وقعة الأرك الشهيرة في الأندلس أكثر من عشرين ألفا بدون فداء أصلا [1] مما يدل على أن ضمير المسلمين -بفضل تعاليم القرآن- كان دائمًا ضدّ الرق وسلب حرية الناس.
ألا يدل هذا على أن الإسلام إنما أبقى على هذا الوجه من الرق مؤقتًا في انتظار تطور الإنسانية وتفهمها لدعوته؟ وحينئذ تقوم حجته على الموافقين والمخالفين بإبطال هذا التصرف الجائز. وعده من المخالفة لتعاليم القرآن التي منها تكريم بني آدم والتسوية بينهم في الحقوق والواجبات بحيث لا يصح أن يكون بعضهم مملوكًا لبعض إلا في هذه الحال من الضرورة، وإهدار الفوراق الجنسية واللونية التي يعتمد عليها الطغاة المسيطرون في استغلال البشر وتسخيرهم لمصالحهم الذاتية؟ اللهم إن هذا هو الأشبه بدعوة الإسلام وروحه التوّاقة دائمًا إلى الكمال!
ومع ذلك: فإن الإسلام في هذه الفترة التي أبقى فيها على الاسترقاق مؤقتا فتح في وجوه الأرقاء أبوابًا للحرية يندر أن يبقي معها رقيق في البلاد الإسلامية لا يحصل على حريته.
وهذه الأبواب هي:
أولا: المكاتبة. وهي تشريع عجيب يخول المملوك أن يشترى حريته من مالكه بثمن معين يدفعه له أقساطًا ويحصله من عمله الحر.
وهذا باب للحرية من حق المملوك أن يفتحه متي شاء، ولا يصح للمالك أن يمتنع من ذلك كما هو ظاهر الآية التي تقول: (وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ) [2] .فهي تحض المالكين على قبول الكتابة من مماليكهم وتزيد فتطلب منهم مساعدتهم ماليًّا على ذلك.
ثانيا: تشريعات توجب تحرير العبيد.
وذلك مثل كفارة اليمين والظهار والفطر عمدا في رمضان وقتل الخطأ. فإن على المسلم فيها تحرير رقبة للتخلص من الإثم. وذلك إما على التخيير بين التحرير وغيره من المكفرات. وإما على الترتيب بحيث لا يصير إلى المكفّرات الأخرى حتى يعجز عن التحرير.
وكأن ذلك إيذان بمجيء الوقت الذي ينعدم فيه الرق فلا يجد المكلف سبيلا إلي التكفير بالتحرير فينصرف حينئذ إلي غيره من المكفرات.
وهذا الباب كثيرا ما حرر منه المسلمون الألوف المؤلفة من العبيد والإماء. إذ على كثرة الخطّائين -والخطأ من طبيعة البشر- كانت نسبة التحرير، ولا يزال -للآن- في المسلمين من يتمسك بفكرة هذه
(1) انظر الاستقصاء ج ل س 178.
(2) سورة: النور آية: 33.