الكفارة خاصة، وذلك هو ما يعلل ما ذكر في معجم لاروس من أن بعض النخاسين لا يزال يزاول تجارة الرق سرًّا في الحرمين الشريفين لتحقيق رغبة الحجاج الذين يحرصون على تحرير العبيد.
ونحن نقول لهؤلاء: إن الله -عز وجل- كفاكم هذه المؤونة برفع الحرج عن المؤمن الذي لا يجد رقبة يحرّرها، حين أذن بكفارات أخرى، فما على المسئولين في البلاد المقدسة -إذا صح ما يقول معجم لاروس- إلا الضرب على أيدي هؤلاء المستهترين بحرية البشر، لاسيما والوجه الوحيد الذي تسامح الشرع بالاسترقاق منه -وهو الأسر في حرب الكفار- معدومٌ الآن.
ثالثا. المصرف الخامس من مصارف الزكاة وهو باب واسع من أبواب تحرير العبيد. فقد فرض الله على المسلمين في زكاة أموالهم قدرًا معلومًا وعيّن له مصارف معلومة، لا يجوز تجاوزها بحال. ومنها هذا الباب الذي أرصده لتحرير الرقاب مطلقا مسلمين كانوا أو غير مسلمين بل إن من الفقهاء من يري البدء في ذلك بغير المسلمين، وإذا علم ما تبلغه أموال الزكاة من الكثرة علم كم يبلغ عدد المحررين في السنة من هذا الباب في العالم الإسلامي. بحيث يصح أن نقدره بعشرات الألوف.
والآن بعد تحريم الرق يمكن أن يصرف المال الحاصل من هذا الباب في إعانة الشعوب المستعمرة على استرجاع حريتها وتحقيق استقلالها. وهذا ما يبين دور الإسلام في نشر لواء الحرية على العالم وكونه الرائد الأول في هذا الصدد.
رابعا: الترغيب في عتق الرقاب بغية الأجر والثواب. فقد جاء في الحديث الشريف قوله -صلى الله عليه وسلم:"من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوًا منه من النار" [1] ورغّب القرآن في ذلك بهذه الآية البليغة المؤثرة وهي قوله تعالي: (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ) [2] .
ويدخل في هذا الباب: التدبير، وهو: إعتاق العبد بعد وفاة سيده، ومن الطريف أنه إن دبّره لا يجوز له أن يسترقّه بعد، فلا يبطل عتقه ولو رجع فيه، وهذا الباب أيضا عتق منه في الإسلام ملايين العبيد والإماء؛ لأن المسلمين الذين فهموا مقصد الشرع في أن الحرية ينبغي أن تكون حقا مشاعًا بين جميع البشر لم يألوا جهدا في تحقيق هذا المقصد ما قدروا على ذلك.
وفي النصف الثاني من القرن الثامن عشر كان السلطان سيدي محمد بن عبد الله العلوي، سلطان المغرب يبدي رغبة شديدة في افتكاك الأسارى من بلاد أوربا، فيذل في هذا السبيل ملايين عديدة ويفتدي آلاف الأسارى من المغاربة والجزائريين والأتراك وغيرهم، أولا: بالتبادل، وثانيا: بالمال؛ لأن أسرى المسلمين كانوا دائمًا أكثر من أسرى النصارى؛ وذلك لنشاط القرصان النصارى ورواج تجارة الرقيق في بلاد أوربا أكثر من بلاد الإسلام.
(1) البخاري ج 2 ص 57.
(2) سورة: البلد آية: 11 - 13.