الصفحة 12 من 13

الشارع متشوّفٌ للحرية:

وهكذا، وبناء على ما تقدم: قرر الفقهاء هذه القاعدة الفقهية العظيمة وهي أن الشارع الإسلامي متشوف للحرية، فلم يتركوا سببًا ولو ضعيفا إلا حكموا باستحقاق العبد للحرية من طريقه، فالأمة إذا ولدت لسيدها فقد أحرزت نفسها وحرم عليه بيعها وهبتها وتصير بعده حرة، فانظر أين هذا مما كان عند الأمم والشعوب الأخرى الذين يبيعونها وولدها، والذين يسترقّون الشخص لِتَزَوُّجِهِ من أمة، ويحرمونه بسبب ذلك من بعض حقوقه المدنية.

والرجل إذا أعتق عبده ولو هازلًا لزمه العتق. وإذا أعتق بعض عبده عتق عليه كله، وإذا كان البعض الآخر ملكًا لغيره قوّم ولزم المعتق، في أحكام وجزيئات مثل هذه يطول تتبعها، ومدارها على القاعدة المذكورة، وهي أنه ما وجد سبيل للحرية ولو بعيدًا قدّم على الاسترقاق؛ لأن الشارع متشوف للحرية.

فهل يبقي بعد هذا شك في أن الإسلام وضع أسس إبطال الرق قبل ثلاثة عشر قرنًا في انتظار الفرصة لتنفيذ ذلك ونفى هذه الشناعة من حظيرة الإنسانية المهذبة التي بُعث الرسول -صلى الله عليه وسلم- لتتميم مكارم أخلاقها؟

لماذا لم يكن المسلمون هم البادئين بإلغاء الرق؟

ربما يتساءل بعض الناس. وموقف الإسلام من الرق هو ما رأينا، فيقول لماذا لم يكن المسلمون هم البادئين بإعلان إبطال الرق وإلغائه في العالم؟

والجواب: أنه مع هذه الجهود المبذولة من المسلمين -طوال الثلاثة عشر قرنًا وجلّ القرن الحالي- في تحرير العبيد والإماء والمحاولة الجديدة للقضاء على الرق بالفعل لا بالقول، لم يكن بالمسلمين حاجةٌ إلي إعلان هذا القرار، لا سيما والشناعة التي كانت تلازم الاسترقاق في العالم القديم وبلاد أوربا وأمريكا في العهود الأخيرة بما يصحبه من سوء المعاملة والقوانين الجائزة واعتبار الرقيق كآلة مسخرة لسيده لم يكن لها وجود في عالم الإسلام بتاتا.

وليس أدل على ذلك من شهادة الأجانب أنفسهم، فقد قال جوستاف لوبون في كتابه"حضارة العرب:"إن الرقّ عند المسلمين غيرُهُ عند النصارى فيما مضي، وإن حال الأرقاء في الشرق أفضل من حال الخدم في أوربا، فالأرقّاء في الشرق يؤلّفون جزءًا من الأسرة، ويستطيعون الزواج ببنات سادتهم أحيانا، ويقدرون أن يتسنموا أعلى الرتب. وفي الشرق لا يرون في الرقيق عارا، والرقيق فيه أكثر صلة بسيده من صلة الأجير في بلادنا" [1] ."

(1) حضارة العرب لجوستاف لوبون ص: 459.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت