قلت: لم يضيع شيخ الإسلام زمانه، بل أفاد الأمة بردوده تلك وجعلها مرجعًا لمن بعده ممن أرد نقض شبهات الأعداء، وأما التفسير وشروح البخاري فقد تتابع عليها علماء الإسلام بما يغني الأمة أن تنصرف (جميع) جهود علمائها إليها، ومن تأمل كتب وفتاوى شيخ الإسلام يعلم أن له حظا وافرًا من ذلك - أيضًا -.
وأخيرًا: ما أجمل قول الأستاذ محمد كرد على - رحمه الله - في شيخ الإسلام:
(ولو لم يكن له إلا"منهاج السنة"لكفاه على الأيام فخرًا لا يبلى، ففيه مثال من علمه وقوة حجته، ومعرفته بالملل والنحل، وإذا قلنا: إنه لم يؤلف نظيره في الرد على المخالفين لأهل السنة لصدقنا كل منصف من أهل القبلة) .
المتهمون
لشيخ الإسلام بتنقص علي - رضي الله عنه - والانحراف عنه
لقد حاولت أن أذكر في هذا المبحث أبرز المتهمين لشيخ الإسلام بتلك الفرية، ممن عثرت على أقوالهم، مع توثيقها من كتبهم أو من كتب الناقلين عنهم، وقد اتضح لي أنهم على نوعين:
الأول: أناس لم يفهموا مقاصد شيخ الإسلام من عباراته التي ذكرها في كتابه"منهاج السنة"والتي ظنوا أن فيها تنقصًا لعلي - رضي الله عنه -، وأداهم لهذا عجلتهم في الحكم دون ترو، ولا مراجعة لأقوال شيخ الإسلام الصريحة في نفي ذلك عن نفسه، إضافة إلى عدم إدراكهم لعمق مذهب الشيخ في رده لأكاذيب الروافض، فلهذ زلوا هذا الزلة العظيمة. وخير مثال لهؤلاء: الحافظ ابن حجر العسقلاني - عفا الله عنه-
الثاني: أناس قد أشربت قلوبهم مختلف أنواع البدع، فطارت قلوبهم فرحًا عندما عثروا على تلك العبارات التي ظنوها تنقصًا لعلي - رضي الله عنه- فأذاعوا بها شرقًا وغربًا قاصدين بذلك ذم شيخ الإسلام والتنفير منه ومن كتبه وآرائه التي تخالف مشربهم.
وخير مثال لهؤلاء: ابن حجر الهثيمي، والكوثري، والغماري، والسقاف، والحبشي، وغيرهم - كما سيأتي -.
المتهمون وأقوالهم
1 -فمنهم العلامة الحافظ ابن حجر العسقلاني - رحمه الله - الذي جرأت كلماته السفهاء على شيخ الإسلام، واتخذوها متكأ للتطاول على مقامه - رحمه الله - وسهولة كيل التهم له بتنقص علي - رضي الله عنه - ما دام الحافظ - رحمه الله - قد ألمح إلى ذلك ومهد لهم الطريق بكلماته في شيخ الإسلام
ونحن نعلم أن الحافظ - رحمه الله - هو ممن يقدرون شيخ الإسلام، ويثنون عليه، ويعرفون فضله.
قال العلامة محمود شكري الألوسي: (إن الحافظ ابن حجر العسقلاني موالاته ومحبته للشيخ ابن تيمية مما لا ينكره إلا جاهل، وقد تلقى العلم عن تلامذة الشيخ وأصحابه وانتفع بكتبه، وقرأ كثيرًا منها درسًا، وهذا هو اللائق به وبأمثاله من أهل الفضل والعلم، وقد قيل: إنما يعرف ذا الفضل ذووه)
قلت: ومن ذلك قول الحافظ: ولو لم يكن للشيخ تقي الدين من المناقب إلا تلميذه الشهير الشيخ شمس الدين ابن قيم الجوزية صاحب التصانيف النافعة السارة، التي انتفع بها الموافق والمخالف: لكان غاية في الدلالة على عظيم منزلته، فكيف وقد شهد له بالتقدم في العلوم والتمييز في المنطوق والمفهوم أئمة عصره من الشافعية وغيرهم فضلًا عن الحنابلة)