وأما السلف والأئمة فلم يتنازعوا في عدم تكفير (المرجئة) (والشيعة) المفضلة (الشيعة المفضلة هم الشيعة الأُول الذين فضلوا عليًا على أبي بكر وعمر وهؤلاء لا يكفرون وإن كانوا مخالفين للصحابة جميعًا بما فيهم علي بن أبي طالب نفسه الذي ثبت عنه من ثمانين وجها أنه قال: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، وقال: من فضلني على أبي بكر جلدته حد المفترى. وأما الشيعة الآخرون وهم أكثر من سبعين فرقة منهم الأمامية الإثنا عشرية، فهم الذين يقولون إن الله نص على إمامة علي واثنى عشر من أولاده، وهؤلاء يكفرون جميع المخالفين والصحابة إلا ثلاثة أو خمسة، ويقول جمهورهم بل اجماعهم في القرن الثالث والرابع بتحريف القرآن، ويفضلون هؤلاء الائمة الإثنى عشر على سائر الأنبياء والمرسلين، وكذلك الملائكة، ويدعون لهم علم الغيب والعصمة، وأنهم مفوضون في التشريع يشرعون ما شاءوا) ونحو ذلك، ولم تختلف نصوص أحمد في أنه لا يكفر هؤلاء، وإن كان من أصحابه من حكى في تكفير جميع أهل البدع -من هؤلاء وغيرهم- خلافًا عنه، أو في مذهبه، حتى أطلق بعضهم تخليد هؤلاء وغيرهم، وهذا غلط على مذهبه، وعلى الشريعة (لأن الذي لم يبلغه الحق والصواب، ومن لُبِّس عليه، فهو معذور والسلف يرون العذر بالجهل في الأصول والفروع) .
ومنهم من لم يكفر أحدًا من هؤلاء إلحاقًا لأهل البدع بأهل المعاصي، قالوا فكما أن من أصول أهل السنة والجماعة أنهم لا يكفرون أحدًا بذنب فكذلك لا يكفرون أحدًا ببدعة.
والمأثور عن السلف والأئمة إطلاق أقوال بتكفير (الجهمية المحضة) الذين ينكرون الصفات، وحقيقة قولهم أن الله لا يتكلم ولا يرى، ولا يباين الخلق، ولا له علم ولا قدرة، ولا سمع ولا بصر ولا حياة، بل القرآن مخلوق، وأهل الجنة لا يرونه كما لا يراه أهل النار، وأمثال هذه المقالات.