"وأما تعيين الفرق الهالكة فأقدم من بلغنا أنه تكلم في تضليلهم يوسف بن أسباط، ثم عبدالله بن المبارك، وهما إمامان جليلان من أجلاء أئمة المسلمين قالا: أصول البدع أربعة: الروافض، والخوارج، والقدرية، والمرجئة، فقيل لابن المبارك: والجهمية؟ فأجاب بأن أولئك ليسوا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وكان يقول: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية، وهذا الذي قاله اتبعه عليه طائفة من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم، قالوا:"
"إن الجهمية كفار لا يدخلون في الاثنتين والسبعين فرقة، كما لا يدخل فيهم المنافقون الذين يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام، وهم الزنادقة"
وقال آخرون من أصحاب أحمد وغيرهم: بل الجهمية داخلون في الاثنتين والسبعين فرقة وجعلوا أصول البدع خمس، فعلى قول هؤلاء: يكون كل طائفة من (المبتدعة الخمسة) اثنا عشر فرقة.
وهذا يبنى على أصل آخر، وهو (تكفير أهل البدع) فمن أخرج الجهمية منهم لم يكفرهم، فإنه لا يكفر سائر أهل البدع بل يجعلهم من أهل الوعيد بمنزلة الفساق والعصاة، ويجعل قوله: هو في النار، مثل ما جاء في سائر الذنوب، مثل أكل مال اليتيم وغيره كما قال تعالى: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا يأكلون في بطونهم نارًا} (النساء:10)
ومن أدخلهم فيهم فهم على قولين:
منهم من يكفرهم كلهم، وهذا إنما قاله بعض المتأخرين المنسبين إلى الأئمة أو المتكلمين.