ونقل السرخسي في أصوله؛ أن الشافعي رحمه الله قال: لما كان حكم الوجوب متأخرا إلى إدراك عدة من أيام أخر كان الفطر أفضل، ليكون إقدامه على الأداء متراخيا بعد ثبوت الحكم بإدراك عدة من أيام أخر [1]
قال التفتازاني: والحق أن الصوم أفضل عنده - أي الشافعي- قولا واحدا عند عدم التضرر.
وقال النخعي، وسعيد بن جبير ومالك والثوري وأصحاب الرأي: الصوم أفضل [2] فإذا أضعفه الصوم فالفطر في السفر أفضل والإفطار أفضل من الصوم أيضا: إذا فوت منه أمر هام كالجهاد، وهذا محل اتفاق.
وإن خاف الهلاك على نفسه يلزمه الفطر، لأنه لو صبر وصام حتى مات كان قتيل الصوم - وهو مباشرته لفعل الصوم - فيصير قاتلا نفسه [3] فيأثم، لأن الإفطار لزمه، لذا قال مجاهد وقتادة وعمر بن عبد العزيز؛ أفضل الأمرين ما هو الأيسر منهما [4] .
فما حرَّمه النص حال الاختيار ثم أبيح حال الاضطرار، وهو مما لا يجوز أن يرد الشرع بإباحته، كإباحة الفطر للمسافر والمريض، وأكل الميتة للمضطر إذا امتنع عن ذلك حتى قتل كان آثما لأنه اتلف نفسه لا لإعزاز دين الله، إذ ليس في التورع المباح إعزاز لدين الله [5] .
النوع الثالث: ما لم يوضعه الله علينا من إصر [6] وأغلال [7] كان واجبا على من قبلنا، وهما التكاليف الشاقة. مما كان في الشرائع السالفة؛ كقتل النفس في صحة توبتهم، وقطع الأعضاء الخاطئة، أو قطع موضع النجاسة، وحرمة أكل الصائم بعد النوم، وعدم جواز صلاتهم في غير المعبد، وإحراق الغنائم وتحريم العروق في اللحم، وأن لا مطهر غير الماء، وأداء ربع المال في الزكاة ونحو ذلك.
ولما كانت هذه الأشياء أوجبت على غيرنا، ولم يشرعها الله علينا أصلا تخفيفا وتيسيرا وتوسعة رحمة بنا وتكريما لنبينا- صلى الله عليه وسلم - فليست رخصة حقيقية وإنما شابهت الرخصة، فإذا قابلنا أنفسنا به، حسن إطلاق اسم الرخصة تجوزا، لعدم الدليل المحرم لتركه، ولأن الحكم الأصلي - وهو العزيمة وسببها معدوم في حقنا - لم يشرع أصلا في رسالتنا، فهذا دليل على صحة تسميته رخصة، وعلى كونه مجازا كاملا - لا حقيقة.
وحكم هذا النوع أننا إذا عملنا به أحيانا أثمنا وعوتبنا، لكونها رخصة إسقاط [8] .
النوع الرابع: ما سقط عن العباد - بإخراج سببه من أن يكون موجبا للحكم في محل الرخصة- مع كون الساقط مشروعا في بعض الأوقات لدفع الضيق والحرج عنهم.
(1) انظر: أصول السرخسي 1/ 119.
(2) انظر: كشف الأسرار للبخاري2/ 320.
(3) بخلاف ما إذا أكرهه ظالم على الفطر، فلم يفطر حتى قتله، لأن القتل هنا مضاف إلى فعل الظالم، فأما هو في الامتناع عن الفطر عند الإكراه مستديم للعبادة مظهر للطاعة عن نفسه في العمل لله تعالى، وذلك عمل المجاهدين. (أصول السرخسي1/ 120) .
(4) انظر: كشف الأسرار2/ 320، والتلويح والتوضيح لمتن التنقيح2/ 128، وسلم الوصول ص78.
(5) انظر: التقرير والتحبير1/ 147.
(6) الإصر: هو الثقل الذي يأصر صاحبه - أي يحتبسه عن الحراك- جعل مثلا لثقل تكليفهم وصعوبته.
(7) الأغلال: هي المواثيق اللازمة لزوم الغل، روي أن بني إسرائيل إذا قاموا يصلون لبسوا المسوح وغلوا أيديهم إلى أعناقهم وربما يثقب الرجل ترقوته، وجعل فيها طرف السلسلة وأوثقها إلى السارية يحبس نفسه على العبادة. (شرح المنار لابن ملك ص201) .
(8) انظر: المستصفى 1/ 98، والإحكام للآمدي 1/ 190، وكشف الأسرار للبخاري2/ 321، وروضة الناظر ص32، والتلويح 2/ 129، والتقرير والتحبير2/ 150،151، وشرح المنار لابن ملك ص201.