ولا يسقط الخلف وهو القضاء أو الفدية.، ولقيام السبب الموجب للصوم صح أداؤها لو صاما. ولتراخي الحكم لم يلزمهما الأمر بالفدية فكانت العزيمة هنا أدنى حالا منها في المكره على الإفطار في الصوم، لأن الحكم هناك - وهو حرمة الإفطار- لم يتأخر عن السبب، فلهذا كانت الرخصة المبنية على هذه العزيمة أدنى حالا من الرخصة المبنية على العزيمة السابقة، لأن كمال الرخصة وانتقاصها بكمال العزيمة وانتقاصها.
فإن كان الحكم الأصلي ثابتا مع السبب، كانت جهة العزيمة أقوى مما إذا كان متراخيا عن السبب، وذلك كالبيع بشرط الخيار مع البيت البات، فالحكم وهو: الملك في المبيع والمطالبة بالثمن ثابتا في البات المطلق متراخ عن السبب المقرون بشرط الخيار [1] .
وحكم هذا النوع أن الأخذ بالعزيمة - وهي الصوم- أولى عند الحنفية، لقيام السبب الموجب فكان المؤدي للصوم عاملا لله تعالى في أداء الفرض والمترخص بالفطر عاملا لنفسه فيما يرجع إلى الترفه، فقد ورد في الصحيحين عن أنس"كنا نسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنا الصائم ومنا المفطر فلم يعب الصائم على المفطر ولم يعب المفطر على الصائم" [2] .
ويؤكد هذا ما ورد في صحيح مسلم عن حمزة الأسلمي أنه قال: يا رسول الله أجد في قوة على الصيام في السفر، فهل علي جناح، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه [3] .
وصام صلى الله عليه وسلم في السفر أيضا كما في الصحيحين [4] .
وإذا كان معنى الرخصة يشترك فيها الصوم والفطر فمن وجه الصوم مع الجماعة في شهر رمضان يكون أيسر من التفرد به بعد مضي الشهر، وإن كان أشق على بدنه. ومن وجه الترخيص بالفطر مع أداء الصوم بعد الإقامة أيسر عليه لكيلا يجتمع عليه مشقتان في وقت واحد؛ مشقة السفر، ومشقة أداء الصوم.
وإذا كان في كل جانب نوع ترفه يخير بينهما للتيسير عليه، وبعد تحقق المعارضة بينهما كان ترجيح جانب أداء الصوم لكونه مطيعا فيه عاملا لله تعالى أولى، إلا أن يخاف الهلاك على نفسه إن صام، فيلزم أن يفطر [5] .
وعند الشافعية قولان في كون العمل بالرخصة [6] أو الأخذ بالعزيمة أولا.
(1) انظر: كشف الأسرار 2/ 319، والمستصفى1/ 198، والتوضيح ولتنقيح 2/ 182، والتقرير والتحبير2/ 147،وشرحي المنار لابن ملك وابن العيني ص102، وأصول السرخسي1/ 119، ومرآة الوصول2/ 396
(2) رواه البخاري.1/ 333، ومسلم2/ 787.
(3) رواه مسلم 2/ 790.
(4) انظر: كشف الأسرار للبخاري2/ 319، والتقرير والتحبير 1/ 147، 148، ومرآة الأصول2/ 397.
(5) انظر: أصول السرخسي1/ 120، وشرح المنار لابن ملك ص201.
(6) في قول الشافعي بالعمل بالرخصة - في أحد قوليه- بناء على أن العزيمة كانت ناقصة باعتبار تأخر حكمها إلى زمان الإقامة، وهذا يقتضي أن تكون الرخصة أولى، لأن هذا التأخير ثبت رفقا بالمسافر، وتيسيرا للأمر عليه.