المثل أو القيمة، لكن إن أخذ بالعزيمة وبذل نفسه فأولى؛ لما فيه من إظهار القوة في الدين ببذل نفسه في الاجتناب عن المحرمات ورعاية حق الله صورة ومعنى بتفويت حق نفسه صورة ومعنى [1] .
ولما كانت العزيمة في كل ما تقدم موجودة معمولا بها في الشريعة كانت الرخصة في مقابلها حقيقة ثابتة [2] .
وحكم هذا النوع: أن الأخذ بالعزيمة أولى مطلقا لقيام دليل العزيمة في استمرار الإيمان وعدم تراخي حكمه، فإن دليل وجوب الإيمان قطعي لا يتصور تراخي حكمه عنه عقلا ولا شرعا، فيقوم حكمه بقيام دليله ويدوم بدوامه.
فما حرمه النص حالة الاختيار ورخص فيه حالة الاضطرار وهو ليس مما يجوز أن يرد الشرع ب'باحته كالكفر ومظالم العباد إذا امتنع كان شهيدا - أي مثابًا بثواب الشهداء- لأنه تحمل ما أكره عليه وامتنع عما هو مرخص فيه لإعزاز دين الله فبذل نفسه [3] - حسبة في دينه - لإقامة حق الله تعالى.
وكذا ما ثبت حرمته بالنص ولم يرد نص بإباحته حالة الضرورة، كالإكراه على ترك الصلاة في الوقت، وعلى الفطر في رمضان للمقيم الصحيح، إذا امتنع عن ذلك فقتل كان مأجورا، لأنه بذل نفسه لإعزاز دين الله.
وإنما رخص الشارع بالإقدام على ما فيه رفع الهلاك عن نفسه تيسيرا من الشرع عليه، لأن بالامتناع والصبر على القتل يفوت حقه صورة بتخريب بدنه ومعنى بزهوق روحه، وحق الله لا يفوت معنى لكون قلبه مطمئنا بالإيمان، ولكون حكم الصلاة والصوم باق في حقهما [4] .
النوع الثاني: ما شرع تخفيفا لحكم آخر، فأباح ترك الواجب وتأخير أدائه عن وقته إذا وجد عذر يجعل أداءه في وقته شاقًا على المكلف، مع قيام السبب المحرم لموجب لحكمه.
ومثال ذلك: إفطار المسافر والمريض في رمضان، فقد رخص لهما في الفطر مع قيام السبب الموجب للصوم المحرم للفطر مع قيام السبب المحرم للفطر، وهو شهود شهر رمضان - الثابت بقوله تعالى (( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر ) )وتراخي حكمها - وهو وجوب أداء الصوم- عن محل الرخصة - وهو السفر والمرض- لقوله تعالى (( فعدة من أيام أخر ) ) [5] ؛ فحرمة الإفطار في حقهما غير قائمة إلى إدراك الأيام الآخر، ولهذا لو ماتا قبل الإدراك لم يلزمها شيء، ولو كان الوجوب ثابتا لزمهما الأمر بالفدية عنهما لأن ترك الواجب بعذر يرفع الإثم،
(1) انظر: الإحكام - للآمدي1/ 189، وبديع النظام ص128خ، والتلويح والتوضيح2/ 128.
(2) انظر: قمر الأقمار ص141.
(3) ودليل ذلك: أن خبيبا بن عدي لما بيع إلى أهل مكة جعلوا يعاقبونه على أن يذكر آلهتهم ويذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير، فاجتمعوا على قتله، فلما أيقن أنهم قاتلوه سألهم أن يدعوه ليصلي ركعتين وأوجز، ثم قال: إنما أوجزت كيلا تظنوا أني أخاف القتل، ثم سألهم أن يلقوه على وجهه ليكون هو ساجدا لله تعالى حين يقتلونه، فأبوا عليه ذلك فرفع يده إلى السماء وقال اللهم إني لا أرى هنا إلا وجه عدو
، فأقرأ رسولك مني السلام، اللهم احص هؤلاء عددا واجعلهم بددا، ولا تبق منهم أحدا ثم أنشأ يقول:
ولست أبالي حين أقتل مسلما ... على أي جنب كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع
فلما قتلوه وصلبوه تحول وجهه إلى القبلة، وجاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: هو أفضل الشهداء وهو رفيقي في الجنة.
وهذا دليل على أن الامتناع والأخذ بالعزيمة أفضل. (انظر: كشف الأسرار للبخاري 2/ 316،317 نقلا عن المبسوط) .
(4) انظر: التقرير والتحبير2/ 146،147، وقمر الأقمار ص143، وأصول السرخسي1/ 119، ومرآة الوصول2/ 395، وتسهيل الوصول ص251، وسلم الوصول ص77.
(5) سورة البقرة:185.