الصفحة 6 من 13

وجدت قلبك؟ قال: مطمئنا بالإيمان. قال: فإن عادوا فعد، أي إن عادوا إلى الإكراه فعد إلى الرخصة [1] .

قال ابن عبد البر: أجمع أهل التفسير على أن قوله تعالى (( إلا من اكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) )نزلت في عمار [2] .

فإباحة [3] إجراء كلمة الكفر على اللسان مع الاطمئنان بالنسبة للمكره رخصة لأنها حكم استثنائي غير أصلي بني على عذر شرعي، والتمسك بحكم الأصل أولى.

وما أوردناه مما حدث لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه دليل على أنه لا بأس للمسلم أن يجري كلمة الكفر على اللسان مكرها، بعد أن يكون مطمئن القلب [4] .

وكذا الذي يأمر بمعروف وينهى عن المنكر - كأن يأمر بالصلاة ونحوها وينهى عن الفحشاء وغيرها- إذا خاف التلف على نفسه رخص له أن يترك الأمر، لقوله تعالى (( ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ) ) [5] . ويكف عن النهي مراعاة لحق نفسه، فإنه لو أقدم يفوت حق النفس صورة ومعنى، ولو ترك يفوت حق الله تعالى صورة بمباشرة المحظور، وترك المنع عنه، ولا معنى لأن الإنكار بالقلب واعتقاد الحرمة باق.

فإن بقي على العزيمة حتى قتل كان مأجورا لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض مطلق والصبر عليه عزيمة، قال الله تعالى إخبارا (( وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور ) ) [6] .وإنما كانت العزيمة أولى وإن لزم من المحافظة عليها القتل لما فيه من رعاية حق الله صورة ومعنى بتفويت حقه صورة ومعنى بتفويت حقه صورة ومعن فكان جهادا في سبيل الله لإعلاء كلمة الله فكان شهيدا [7] .

ومنه أيضًا ترخيص الإفطار في رمضان للصائم إذا أكره عليه، فإنه يرخص له لأن حقه في نفسه يفوت أصلا، وحق الله يفوت إلى بدل وهو القضاء، فلا يفوت معنى فله أن يقدم حق نفسه، وإن صبر ولم يفطر حتى قتل - وهو صحيح مقيم- كان مأجورا، لأن حق الله تعالى في الوجوب لم يسقط فكان له بذل نفسه لإقامة حق الله عز وجل لما فيه من إظهار الصلابة في الدين وإعزازه، فكانت العزيمة في هذا أولا [8] .

وكذا إذا أكل المضطر مال الغير، فإنه يرخص له ذلك، مع أن المحرم - وهو ملك للغير- والحرمة - وهي أكل مال الغير- قائمان لأن حق نفسه يفوت ولا يمكن تداركه، وحق الغير ممكن تداركه بضمان

(1) رواه إسحاق بن راهويه وعبد الرازق وأبو نعيم والحاكم والبيهقي بإسناد صحيح من طريق أبي عبيدة بن محمد بن عمار عن أبيه.

(2) انظر: التقرير والتحبير2/ 147.

(3) ليس المراد بالإباحة هذه - التسوية بين فعل الشيء وتركه بدون ترجيح لأحدهما على الآخر - كما هو مدلولها الاصطللاحي، بل المراد بها تجويز الفعل بمعناه الأعم سواء كان التجويز بطريق التساوي بين الفعل والترك أو تدونه فيشمل المباح والواجب والمندوب، فالرخصة قد تكون واجبة أو مندوبة أو مباحة.

(4) كشف الأسرار2/ 316 نقلا عن عين المعاني.

(5) سورة آل عمران:28.

(6) سورة لقمان:17.

(7) انظر: كشف الأسرار2/ 317، والتقرير والتحبير2/ 146، وشرحي المنار لابن ملك وابن العيني ص200.

(8) انظر: كشف الأسرار2/ 318، والتقرير والتحبير2/ 147، ومرآة الأصول2/ 395، وشرحي المنار لابن ملك وابن العيني ص199.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت