فالرخصة الحقيقية: هي التي تبقى عزيمته معمولة، فكلما كانت العزيمة ثابتة كانت الرخصة أيضًا في مقابلتها حقيقة ثابتة معمولا بها في الشريعة [1] .
وهي نوعان:
النوع الأول: ما استبيح من المحظورات عند الضرورة أو عند الحاجة مع بقاء حكم المحرم قائما كإباحة التلفظ بكلمة الكفر فإنه يرخص له إجراء قول الكفر على لسانه وقلبه مطمئن بالإيمان، لأن حقه في نفسه يفوت بالامتناع.
فالامتناع من إجراء كلمة الكفر عزيمة، فلو صبر حتى قتل كان مأجورا لأن حرمة الكفر ثابتة أبدا لقيام السبب المحرم وهو الدلائل الدالة على أن حق الله تعالى في وجوب الإيمان به قائم لا يحتمل السقوط، لأن الموجب- وهو وحدانية الله تعالى وحقيقة صفاته وجميع ما أوجب الإيمان به- لا يحتمل التغيير، لكن رخص للعبد إجراؤها عند الإكراه، لأن حقه في نفسه يفوت عند الامتناع صورة بتخريب البنية ومعنى بزهوق الروح، وحق الله لا يفوت معنى، لأن التصديق باق فلهذا كان تقديم حق نفسه بإجراء كلمة الكفر على اللسان ترخيصًا يسقط المؤاخذة، ولا يلزم من سقوط المؤاخذة ثبوت الإباحة وسقوط الحرمة [2] . كمن ارتكب كبيرة فعفي عنه، فإن العفو لا يصير الكبيرة مباحة، وإن أخذ بالعزيمة وبذل نفسه حسبة في دينه فأولى [3] .
وقد روى ابن أبي شيبة عن الحسن مرسلا أن عيونا لمسيلمة الكذاب الكذاب أخذوا رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فأتوه بهما، فقال لأحدهما أتشهد أن محمدا رسول الله؟ فقال \ نعم. قال: أتشهد أني رسول الله، فأهوى إلى أذنيه، فقال: إني أصم، فأعاد عليه. فقال مثله، فأمر به فقتل.
وقال للآخر: أتشهد أن محمدا رسول الله. قال: نعم، قال: أتشهد أني رسول الله قال: نعم، فأرسله، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هلكت، قال: وما شأنك، فأخبره بقصته وقصة صاحبه. فقال صلى الله عليه وسلم: أما صاحبك فمضى على إيمانه وأما أنت فأخذت بالرخصة [4] .
ونقل صاحب الكشف [5] عن السرخسي في المبسوط: أن المشركين أخذوا عمارا فلم يتركوه حتى سب رسول الله صلى الله عليه وسلم- وذكر آلهتهم بخير، فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما وراءك؟ قال: شر يا رسول الله ما تركوني حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير، قال: كيف
(1) انظر: مرآة الأصول2/ 294.
(2) انظر: المستصفى1/ 98، والإحكام للآمدي1/ 188، والتوضيح لمتن التنقيح2/ 127، وبديع النظام لابن الساعاتي ص128 خ، وكشف الأسرار 2/ 316، والتقريبر والتحبير 2/ 147، ومرآة الأصول2/ 394، 395، وشرحي المنار لابن ملك وابن العيني ص199.
(3) انظر: التوضيح لمتن التنقيح2/ 128.
(4) انظر: الجامع لأحكام القرآن- للقرطبي10/ 198، وكشف الأسرار2/ 316، والتقرير والتحبير2/ 147.
(5) انظر: كشف الأسرار2/ 316 نقلا عن المبسوط للسرخسي.