الصفحة 4 من 13

وقد اختلفت تعاريف الأصوليين فيها من حيث اللفظ المضمون:

فعرفها البيضاوي بأنها الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر [1] .

وهذا التعريف محل اتفاق بين الشافعية والحنفية، وما يتوهم من اختلافهم فهو خلاف في التطبيق لأصل متفق عليه.

أما ما ورد من تعريف الحنفية للرخصة بـ (ما تغير من عسر إلى يسر لعذر من الأحكام) فإنما يريدون به ما يعم الرخصة الحقيقية والمجازية لذا عدل عنه ابن الهمام إلى ما شرع تخفيفا لحكم مع اعتبار دليله قائم الحكم لعذر [2] .

وأما تعريف بعض أصحاب الرأي: بأنها (الذي أبيح فعله مع كونه حراما، فهو مناقض، فإن الذي أبيح لا يكون حراما، فكل تحريم اندفع بالعذر والخوف مع إمكان تركه يسمى اندفاعه رخصة [3] .

والحكم الثابت بالرخصة ليس تغيير للحكم وإنما هو تغيير لمتعلقه، لأن الحكم الذي هو الذي هو خطاب الله تعالى لا تغيير فيه [4] .، ويكون المعنى أن الحكم إن انقطع تعلقه على وجه الصعوبة، وثبت على وجه السهولة أو بقي دليل الحرمة معمولا به، وكان التخلف عنه لمانع طارئ في حق المكلف لولاه لثبتت الحرمة في حقه فهو الرخصة [5] .

والرخصة حكم استثنائي غير أصلي روعي في تشريعه ضرورات العباد وأعذارهم فكان ذلك فسحة لهم في مقابلة التضييق بحصول الجواز للفعل أو الترك فيرخص في الحرام بالإذن في فعله وفي الواجب بالإذن في تركه، وأدلة الوجوب والندب وغيرها تؤخذ من أدلة أخرى، ولهذا اقتصر الكتاب العزيز على الجواب في قوله تعالى (( فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه ) ) [6] ، وقوله تعالى (( وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ) ) [7] فاقتصر على نفي الإثم والجناح ولم يصرح بالإذن فعلمنا الجواز [8] .

ولا يعد من الرخص الحكم المبتدأ وما نسخ تحريمه فلم يبق معمولا به، أو خصص من دليل محرم؛ لأن التخلف ليس لمانع في حقه، فالتخصيص بيان أن الدليل لم يتناوله [9] .

والرخصة أربعة أنواع:

نوعان يطلق عليهما لفظ الرخصة حقيقة، لقيام دليل العزيمة فيه وقيام حكمه من غير دليل دال على تراخيه عنه، ونوعان يطلق عليهما لفظ الرخصة مجازا لا حقيقة [10] .

(1) المراد: أنها حكم شرعي ثبت بدليل -حال كونه- على خلاف دليل شرعي آخر قائم ليس معارضًا ولا منسوخا، وإنما خولف للعذر - أي الحاجة والمشقة أو الضرورة (والثابت) إشارة إلى أن الترخيص لا بد له من دليل وراء العذر وإلا لزم مخالفة الدليل السالم من المعارضة (والدليل) أعم من أن يكون دليل حرمة - كما في أكل الميتة- أو غيرها كالوجوب في فطر المسافر والندب في ترك الجماعة لعذر من مطر أو مرض - وقد ورد هذا القيد للاحتراز مما لم يخالف دليلا شرعيا قائما أو خالف دليلا منسوخا أو معارضًا معارضة مسقطة - ولو في بعض أفراده - فإن ذلك كله ليس ثابتا على خلاف الدليل القائم بل على وفقه، فليس من الرخصة (ولعذر) أعم من الضروري كما في أكل الميتة أو المشقة كما في الفطر أو الحاجة - كما في السلم - وقد احترز به عما ثبت على خلاف الدليل - كجميع التكاليف- وعما ثبت لمانع لا لعذر كترك الحائض للصلاة والصيام أو ثبت بدليل راجح على خلاف دليل لآخر معارض له. (انظر: بغية المحتاج ص83، 84) .

(2) انظر: الآيات البينات للعيادي 1/ 181.

(3) انظر: المستصفى1/ 98، وكشف الأسرار للبخاري 2/ 99، والإبهاج في شرح المنهاج للسبكي 1/ 51، ورفع الحاجب لابن السبكي 154، ونهاية السول1/ 70.

(4) انظر الآيات البينات للعبادي 1/ 181.

(5) انظر: شرح العضد على مختصر ابن الحاجب2/ 8، 9، ورفع الحاجب 1/ 155 ح، وشرح جمع الجوامع مع حاسية البناني1/ 120، ومع حاشية العطار1/ 148.

(6) سورة البقرة:173.

(7) سورة النساء:101.

(8) انظر: الإبهاج1/ 52، وكشف الأسرار للبخاري2/ 315.

(9) انظر التوضيح لمتن التنقيح 2/ 127، وشرح مختصر المنتهى مع حاشية التفتازاني2/ 9.

(10) انظر: قمر الأقمار مع حاشية نور الأنوار ص141.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت