الصفحة 3 من 13

وأخرج الإمام الرازي الحرام منها وقصرها على ما سواه من الأحكام التكليفية الأربعة، فجعل المقسم الرخصة والعزيمة هو للفعل الجائز.

وقصرها القرافي على الواجب والمندوب فقط، وعرفها بأنها (طلب الفعل الذي لم يشتهر فيه مانع شرعي) ، وعليه فلا يكون المباح من العزائم، ولا المكروه بقسميه ولا الحرام سيما وفي طلب العزيمة معنى التأكيد.

وقصرها الغزالي والآمدي وابن الحاجب والإسنوي على الواجب وحده، أو الواجب والحرام- إن فسرنا إيجاب الله بمطلق إلزامه- فعرفوها بأنها (ما لزم العباد بإيجاب الله تعالى) [1] .

وقد حصرها الحنفية في أربعة أقسام، فهي إما فرض أو واجب أو سنة أو نفل، ويدخل في هذه الأقسام: الفعل والترك.

أما الإباحة: فقد وقع الاختلاف بينهم في ثبوت التخيير قبل الشروع وبين ابتداء الفعل في أنه لا يلزم الشروع ويلزم الإتمام إذا شرع لعدم إبطال الأعمال المنصوص عليه، وقد استبعدها البزدوي من العزيمة لأن غرضه بيان ما تعلق به الثواب من العزائم والإباحة تتعلق بمصالح الدنيا [2] .

فإن كان الدليل مقطوعا بلزومه كترك أكل الميتة وشرب الخمر فهو الغرض، وإن دخل فيه شبهة كترك أكل الضب واللعب بالشطرنج فواجب وإن كان دونه كترك ما قيل فيه: لا بأس، فهو سنة أو نفل.

فهذه الأقسام الأربعة شرعت ابتداء لا بناء على أعذار العباد فكانت عزائم [3] . هذا قبل ورود الرخصة، وأما بعدها فقد تكون العزيمة حراما كصوم المريض إذا خاف الهلاك فإن ترك الصوم في حقه واجب.

وعلى هذا: لا تكون العزيمة قبل ورود الرخصة مباحا ولا حراما ولا مكروها، لأنها لو كانت مباحا لكانت الرخصة أيضًا مباحا وحينئذ لا تكون أحدهما مبنيا على أعذار العباد، والآخر خال منه.

ولأن الحكم لو كان حرمة أو كراهة لكان الطرف المقابل في أصله - أي المبني على أعذار العباد- وجوبا أو ندبا، وهو لا يصلح للابتناء على أعذار العباد، إذ المناسب للعذر هو الترفيه، أو التوسعة لا التضييق فلا يكون رخصة. فلا يكون مقابله-أي الحرمة أو الكراهة عزيمة، لأنها إنما تكون في مقابل الرخصة [4] . والحق أن العزيمة تشمل الأحكام كلها.

والرخصة [5] : في اللغة عبارة عن النعومة واللين أو التيسير والسهولة فرخصة الله تسهيليه على عباده والرخصة في الأمر التخفيف وخلاف التشديد فيه والرخص ضد الغلاء [6] .

(1) انظر: نهاية السول للإسنوي 1/ 72، والمستصفى 1/ 98، والإحكام لآمدي 1/ 68، وبغية المحتاج ص86، 87.

(2) انظر: التقرير والتحبير2/ 148 - 149، ولتوضيح لمتن التنقيح لصدر الشريعة2/ 172، وقمر الأقمار لعبد الله الأعرج ص138 - 140، وكشف الأسرار للبخاري2/ 298.

(3) انظر: كشف الأسرار للبخاري2/ 300 وما بعدها.

(4) وقد رد هذا التفتازاني في شرح التلويح على التوضيح.

(5) الرخصة بضم الراء وسكون الخاء وتحريكها - والرَخصة -بفتح الخاء- الآخذ بالرخصة فتكون الرخصة اسما للشخص أو المرخص فيه (الإحكام للآمدي1/ 188، وبغية المحتاج ص84) .

(6) انظر: حاشية العطار على جمع الجوامع1/ 147، وروضة الناظر لابن قدامة ص32، ونهاية السول 1/ 70، وتسهيل الوصول ص251، وسلم الوصول ص75.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت